متلازمة غامضة: «تسكَر» من دون أن تشرَب
Wednesday, 08-Apr-2026 07:03

قيادة تحت تأثير الكحول، أزمات عائلية، واتهامات بالإدمان الخفي، هكذا يمكن لمتلازمة «التخمُّر الذاتي» أن تقلب حياة المصابين بها رأساً على عقب. في عام 2019، أوقِف مارك مونجياردو، وهو مدير رياضي سابق في مدرسة ثانوية، بعد عشاء عادي تناول خلاله نقانق وبطاطا ومشروباً غازياً. لم يشرب قطرة كحول، ومع ذلك أظهر فحص التنفُّس نسبة كحول بلغت 0,18%، أي أكثر من ضعف الحدّ القانوني.

لم تكن تلك الحادثة الأولى. فمنذ بدايات عمله في التعليم مطلع الألفية، كان يتلقّى ملاحظات متكرِّرة من زملائه وطلّابه عن رائحة الكحول، بل وفشل في اختبار مفاجئ، ما اضطرّه إلى الخضوع للاستشارة النفسية. حتى داخل منزله، بدأت الشكوك تتسلَّل؛ في إحدى المناسبات العائلية، عجز عن تركيب جملة مفهومة، على رغم من عدم وجود أي مشروبات كحولية، فاعتقدت عائلته أنّه يشرب سراً.

 

التشخيص والأعراض

لكنّ الحقيقة كانت مختلفة تماماً. بعد سنوات من الحيرة، توجّه إلى اختصاصي في أمراض الجهاز الهضمي، فخضع لاختبار دقيق: تناول مشروباً سكّرياً تحت مراقبة صارمة، وخلال ساعات ارتفعت نسبة الكحول في دمه تدريجياً. عندها جاء التشخيص الصادم: متلازمة التخمُّر الذاتي.

 

تحدث هذه الحالة النادرة عندما تقوم ميكروبات الأمعاء بتحويل السكّريات والكربوهيدرات إلى إيثانول بكمّيات تفوق قدرة الكبد على استقلابها، فيصبح الشخص في حالة سُكر حقيقية من دون شرب. وعلى رغم من أنّ هذه الظاهرة معروفة منذ عقود، فإنّها لا تزال تُعدّ نادرة وغامضة، وغالباً ما يُساء فهمها أو تُشخّص خطأً كاضطرابات نفسية.

 

تكمن المشكلة في أنّ الأعراض تختلف من شخص لآخر: تقلّبات مزاجية، قلق، اكتئاب، تعب، ضباب ذهني، وتغيُّر في الكلام والمشي. كثيرٌ من المرضى يزورون عدة أطباء - من أطباء أعصاب إلى أطباء نفسيِّين - قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح. والأسوأ أنّ بعض الأطباء يشكِّكون في وجود الحالة أصلاً، معتبرين المرضى «مدمنين سريِّين».

 

الباحثون بدأوا أخيراً بإيلاء اهتمام أكبر لهذه المتلازمة. وتشير دراسات حديثة إلى أنّ السبب قد يكون فرط نمو أنواع معيّنة من البكتيريا أو الفطريات في الأمعاء، مثل الإشريكية القولونية أو الكليبسيلا، وهي كائنات قادرة على إنتاج الكحول. كما يُعتقد أنّ استخدام المضادات الحيوية قد يخلّ بتوازن الميكروبيوم، ممهِّداً لظهور الحالة.

 

العلاج

أمّا العلاج، فيعتمد غالباً على تعديل النظام الغذائي عبر تقليل السكّريات والكربوهيدرات، إلى جانب استخدام مضادات فطرية أو حيوية لإعادة التوازن البكتيري. بعض المرضى يتعافون تماماً، بينما يعاني آخرون من انتكاسات متكرِّرة. بالنسبة إلى مارك، أعاد التشخيص تفسير سنوات من الاتهامات والشكوك. اليوم، يلتزم بنظام غذائي صارم خالٍ من السكّر والكربوهيدرات، ويتجنَّب الكحول كلياً، كما يحمل جهاز فحص تنفُّس دائماً للتأكّد من حالته. وعلى رغم من تحسُّن وضعه، لا يزال القلق يلازمه: كَمْ مرّة قاد سيارته أو اصطحب أطفاله وهو في حالة سُكر من دون أن يدري؟

الأكثر قراءة