قفز موضوع السلم الأهلي في لبنان إلى واجهة هواجس الأوروبيِّين ولاسيما فرنسا، والعرب وفي مقدّمهم المملكة العربية السعودية ومصر. هذه الهواجس تبدو موضوعية، في ظلّ الاحتقان الداخلي سياسياً وإعلامياً، والذي اتخذ في الأيام الماضية منحى بالغ الخطورة. وتفاقمت هذه الهواجس مع بروز أصوات تجاهر بأنّ ما بعد الحرب سيكون مختلفاً، وقد ينسحب ذلك على المستقبل الدستوري والسياسي في البلاد، إذا قام أحد المكوّنات بالدعوة إلى إعادة النظر في الصيغة التي أُقرِّت في مدينة الطائف السعودية العام 1989 تحت عنوان «وثيقة الوفاق الوطني»، وقد أضحت دستوراً للبنان بعد التصويت عليه في المجلس النيابي.
إنّ الأجواء الحالية الملبَّدة بالغيوم وسحب الدخان الأسود الناتجة من الحرب والإعتداءات الإسرائيلية حاملة الموت والدمار، والمصحوبة بتشنُّج سياسي واسع يُترجَم في أدبيات التخاطب ببن اللبنانيِّين، وتوتر يلامس حدود الصدام الداخلي ذي الطابع الطائفي والذهبي، تقضّ مضاجع العرب والأوروبيِّين الذين وطدوا العزم على تجنيب وطن الأرز تجرُّع كأس الفتنة الكامنة في أدنى التفاصيل، وذلك في موازاة المساعي الجارية لوقف الحرب.
ويرى السعاة، أنّه من الحكمة بمكان تفهُّم هواجس الطائفة الشيعية التي ألمح إليها نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب في غير خطبة ومناسبة. وكذلك قراءة سلوك رئيس المجلس النيابي نبيه بري المقلّ في تصريحاته التي تشي بالكثير، والغنية بالدلالات المعبِّرة، كونه يتصدَّر المشهد السياسي لا في طائفته فحسب، بل على مستوى لبنان كونه الأقدر على التواصل مع «حزب الله».
ثمّة قناعة أنّ مجرّد التفكير بالاستثمار في النتائج الكارثية للحرب لمحاصرة الطائفة الشيعية، وإضعاف موقعها في تركيبة الحُكم، هو نوع من العبث السياسي والمراهنة غير المحمودة التي تدفع إلى انفجار داخلي ستكون أثمانه أكثر كلفة من الحرب المأساوية التي تمثل فصولاً على أرضه.
من هنا، يمكن تفسير الدور الذي اضطلعت به الرياض عبر موفدها الأمير يزيد بن فرحان، وكانت له أخيراً جولة تشاور مع كبار المسؤولين والسياسيِّين في لبنان، لم تخلُ من نصح وإحاطة بخطورة الوضع، واقتراحات للتهدئة وترشيد لغة التخاطب بين الأفرقاء والإبتعاد عن كل ما يثير الحساسيات ويذكّي النار. فباريس، الرياض، والقاهرة في خوف حقيقي على الاستقرار الداخلي، وعلى اتفاق «الطائف»، وهي على يقين بأنّ أي انقلاب عليه يخلّ بالتوازنات الداخلية، ويُعرِّض وحدة لبنان للخطر ويدفع بها إلى حافة المجهول. وهي تعرف أنّ المهمّة شاقة في ظل الحرب المستعرّة والتدمير الممنهج الذي تقوم به إسرائيل في الجنوب ومناطق لبنانية عدة. ولذلك، فإنّها تؤيّد مسار إسلام أباد، وتعتقد أنّ نجاحه سينعكس إيجاباً على لبنان مباشرة أو غير مباشرة، لأنّه من غير المنطقي نفي أثره وتأثيره على رغم من إصرار الحكومة على الفصل بين ما يحصل في العاصمة الباكستانية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران، وبين المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن برعاية الأخيرة. وفي المعلومات، أنّ التواصل بين الرياض وطهران عاد ليأخذ مكانه بعد انكفاء فرضته الحرب التي لم توفِّر بلدان الخليج، وذلك إنطلاقاً من الواقعية السياسية (Real Politic) التي تنتهجها المملكة في علاقاتها ببلدان الجوار، سواء في نسج علاقات التعاون أو إدارة الخلاف. على أنّها تبقى حذرة في ما يتصل بالوضع مع إسرائيل وطروحات السلام معها، وهي تتوجّس من جموح مناوراتها، ورفضها حل الدولتَين ومبادرة بيروت للسلام التي كان للرياض الدور الكبير في صوغها وتسويقها. وبالتالي، فإنّ خلافها مع إيران ومعارضتها الشديدة لـ«حزب الله» التي بلغت حدّ القطيعة معه، لم يلغيا توجسّها.
من هنا، فإنّ مهمّة بن فرحان ركّزت على وجوب تعاون أهل الحُكم وإبقاء الجسور قائمة في ما بينهم، والنصح بالتعاون مع الرئيس بري، لأنّه يمتلك الكثير من المفاتيح التي تُشرِّع الباب أمام حلول تقي لبنان الأسوأ. وإذا كانت هناك خطوط سالكة بين بعبدا وعين التينة، على رغم من الألغام المزروعة على الطريق، فإنّ الصعوبة الأكبر تكمن في كمّ المشكلات القائمة مع السراي الحكومي، وهي بادية للمراقبين، ولو أنّ المعنيِّين يؤثرون عدم الحديث عنها لاستبقاء «خط الرجعة».
في أي حال، يبقى الإهتمام منصَّباً على الأمور الآتية:
أولاً: تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الإعتداء الإسرائيلي، تمهيداً لخطوات تالية ينبغي أن تتحقق في المدى المنظور، وتتمثل بالانسحاب من كل الأراضي التي احتلّتها الدولة العبرية في جنوب لبنان، وعودة النازحين.
ثانياً: البحث في موضوع حصر السلاح والاتفاق على الصيغة التي تساعد في إتمام هذا البند، من دون أن تخلِّف تداعيات كبيرة في الداخل. وهنا يبرز الدور المرتقب لرئيس المجلس النيابي.
ثالثاً: التوافق على استكمال بنود اتفاق الطائف بكل مندرجاته، وضمان عدم الإنقلاب عليه والذهاب إلى مشروعات أخرى يطرحها هذا الطرف أو ذاك، ممّا يُعيد إنتاج مخاوف ويثير «نقزات» تزيد المشهد السياسي تعقيداً، وتُهدِّد السلم الأهلي على نحو جاد.
لكنّ السؤال المطروح: هل تستطيع الحكومة الحالية التصدّي للوضع الحساس والمتشابك، أو يُتفق على ذهابها لتحل مكانها حكومة أوسع تمثيلاً وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات صعبة وحمايتها بتوفير حاضنة سياسية أو شعبية، لها من دون أن يعني ذلك بالضرورة تغييراً في رئاسة الحكومة. وإذا تعذّر لسبب أو لآخر حصول مثل هذا التغيير، هل يكون توسيع الحكومة وترميمها لجهة إضافة وزراء، وتبديل حقائب خياراً مطروحاً؟
إنّ صورة مستقبل الوضع في لبنان لا ترسمه تطوُّرات الميدان، والتجاذبات السياسية فحسب. العين على واشنطن وإسلام آباد، حيث مفاتيح اللعبة الكبرى.