يكاد لا يبقى من وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية سوى اسمه، في ظل استمرار المواجهة في الجنوب وجمود المفاوضات على المسار الإيراني - الأميركي، الذي ينعكس تقدّمه او تعثره على لبنان، تحت تأثير قوة «الجاذبية» الإقليمية والدولية، بمعزل عن السجال الداخلي بين دعاة فك المسارات وربطها.
باتت هدنة الأسابيع الثلاثة هزيلة و»رمزية»، في ظل تواصل الاعتداءات الإسرائيلية الواسعة، التي تشكّل ترجمة لهامش حرّية الحركة الممنوح إلى تل أبيب بموجب «مذكرة التفاهم» التي نشرتها وزارة الخارجية الأميركية، بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار.
وقد تبين انّ هذه الهدنة المفترضة ليست تهدئة حقيقية، بل هي مجرد خفض للتصعيد، يحيّد بيروت والضاحية عن الاستهدافات، فيما تستمر المواجهة في الجنوب على حرارتها وحدّتها، حيث صار واضحاً أنّ وقف إطلاق النار الممدّد له لا يسري على تلك المنطقة، ما يترك مجمل الهدنة مفخخة بصاعق قد يفجّرها كلياً في أي لحظة إذا خرجت الأمور عن السيطرة.
وتكمن هشاشة وقف إطلاق النار المعلن في كونه يفتقر إلى أي أرضية سياسية يمكن أن يستند اليها لتأمين الحصانة الضرورية له، وبالتالي فإنّ الوقت الضائع في هذه المرحلة الرمادية يسمح لبنيامين نتنياهو بأن يواصل مناوراته السياسية والعسكرية سعياً إلى تحقيق هدفين: الأول، محاولة إعادة هندسة المنطقة الحدودية المحتلة وفق مقتضيات المصالح الإسرائيلية، مع ما يرافق ذلك من تدمير وتجريف للقرى في سياق تغيبر معالم الجغرافيا والديموغرافيا. والثاني، الضغط على السلطة السياسية ومنعها من التقاط أنفاسها عبر الإصرار على التفاوض معها تحت النار، الأمر الذي يشكّل إحراجاً لها، في اعتبارها كانت قد ربطت انطلاق قطار المفاوضات المباشرة بالتوصل إلى وقف إطلاق النار.
وبهذا المعنى، يبدو أنّ واشنطن تعمّدت أن تترك أمام نتنياهو مساحة للعمليات التكتيكية في الجنوب مقابل ضبطه استراتيجياً، تحت سقف حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ما يتصل بالمسارين التفاوضيين مع إيران ولبنان.
وبناءً عليه، فإنّ أي تصعيد إسرائيلي كبير يتجاوز الحدود الحالية إنما يحتاج إلى ضوء أخضر أميركي لا يزال معلّقاً في انتظار ما سيؤول اليه المسار التفاوضي مع إيران ولبنان، وإن تكن تل أبيب تحاول اقتناص اي فرصة ممكنة من أجل توسيع دائرة خروقاتها نحو شمال الليطاني، خصوصاً انّ نتنياهو الذي يتعرّض إلى ضغوط داخلية بسبب عدم قدرته حتى الآن على ضمان أمن المستوطنات الشمالية، يريد مواصلة المعركة ضدّ «حزب الله» لاحتواء تلك الضغوط وتهدئة خواطر المستوطنين.
وإضافة إلى الدوافع الإسرائيلية لمواصلة الاعتداءات، لا يمكن إغفال انّ المواجهة المستمرة في الجنوب اللبناني هي أيضاً في جانب منها، انعكاس للإنسداد الإقليمي الذي يترك كل ساحات النزاع مشرّعة على احتمالين، فإما تسوية تشملها جميعاً وإما عودة إلى تزخيم خيارات التصعيد.
وحتى ذلك الحين، يعتمد «حزب الله» سلاح النَفَس الطويل في الميدان، على قاعدة خوض حرب استنزاف ضدّ الجيش الإسرائيلي، وهي حرب يتحقق فيها الربح بالنقاط وليس بالضربة القاضية، ما يعني بالنسبة إلى الحزب، الحاجة إلى مزيد من الصبر والتحمّل.