عون... بري... ومخاوف الرياض وهواجسها
جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة
Wednesday, 29-Apr-2026 07:28

شدّد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري خلال الجولة الأخيرة التي قام بها على القيادات الروحية على ضرورة التنبُّه للوضع الداخلي، وتفادي كل ما يمكن أن يؤدّي إلى الإخلال بالسلم الأهلي والاستقرار العام. ونقل البخاري حرص الرياض على وَأد أي محاولة لإشعال فتنة سنّية-شيعية لأي سبب، وكان واضحاً في التعبير عن هذا الحرص، خلال جولته على مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ علي الخطيب، وشيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز الشيخ سامي أبي المنى.

وفي المعلومات، أنّ البخاري أكّد في جولته، أنّ المفاوضات فرصة على لبنان ألّا يُضيِّعها، وأنّ التفاوض المباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غير مطروح على الإطلاق، وأنّ البحث في أي ترتيبات لن يكون إلّا بعد وقف إطلاق النار.

 

وفي سياق متصل، فإنّ جهات واسعة الإطلاع تقول، إنّه لا يجوز الحُكم بالظنّ على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ووزير الخارجية مارك روبيو، وسفير واشنطن المعتمد في بيروت ميشال عيسى، أنّه ليس في وارد اللقاء مع نتنياهو على الإطلاق، وأنّه مستعد للذهاب إلى الولايات المتحدة الأميركية ولقاء الرئيس ترامب.

 

أمّا في ما يتصل بإعادة الحرارة بين بعبدا وعين التينه، والدفء إلى العلاقة القائمة بين الرئيس عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري، فإنّ المساعي لم تتوقف، لأنّ كلا الرجلَين لا يرغبان في قطيعة تُعمِّق الشرخ، على رغم من المواقف العالية النبرة التي صدرت أخيراً، وأنّ ثمّة تفهُّماً لموقف بري الذي تُلقى على كتفه أعباء كبيرة. وفي هذا المجال، يضطلع التشاور والتواصل بين الأخير والرئيس السابق للحزب «التقدّمي الإشتراكي» الوزير والنائب السابق وليد جنبلاط، بدور كبير في إبقاء الخطوط مفتوحة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي.

 

كل ذلك لا يمنع من ملاحظة خطورة ما بلغه الوضع من مدى، في ظل الحملات السياسية والإعلامية التي أحدثت شرخاً عمودياً في البلاد يُخشى اتساعه بما لا يخدم التهدئة، وهو ما تنصبّ الجهود للتصدّي له واحتواء تفاعلاته. يُضاف إلى ذلك، خشية دولية وعربية، وخصوصاً سعودية، من العودة إلى طرح موضوع اتفاق الطائف أو التسويق لصيغة سياسية جديدة من خارج هذا الاتفاق تُهدِّد وحدة البلاد وتتجاوز الإطار الرئيس الذي حدَّده، أي بصريح العبارة، الذهاب إلى الفدرالية أو أي شكل من أشكال التقسيم.

 

وانطلاقاً من هذا الواقع الحساس، تخشى أوساط ديبلوماسية غربية، تواكب الوضع بكل تفاصيله وتحاول أن تُقدِّم المشورة والتعاون، ألّا يُحسم موضوع التفاوض وحدوده واتضاح الأولويات، أن تستمر إسرائيل في اعتداءاتها، مستخدمةً نهجاً تدميرياً بضوء أخضر دولي، وتحديداً أميركي، ممّا يزيد الأوضاع تردِّياً ويدفع بالأمور إلى مدارات أشدّ كارثية.

 

وفي هذا السياق، يقول سياسي مخضرم، إنّ مقاربة الوضع بتعقيداته وتشابكه يحتاج إلى إدارة استثنائية، تقف إلى جانب رئيس الجمهورية وتُشكِّل فريق عمل متجانساً ينصرف إلى وضع خارطة طريق لمواجهة المرحلة الصعبة، وتستطيع أن تستقطب الحدّ الأقصى من الالتفاف الوطني، بعدما تبيّن أنّ الحكومة الحالية تفتقر إلى هذه القدرة. وليس بالضرورة أن يتمّ اللجؤ إلى هذا الخيار بحكومة جديدة، أو تغيير رئيسها. فربما يكون تأليف هيئة إنقاذ أو ما شابه من الحلول الممكنة، على أن تشكّل حاضنة لحوار وطني بين مكوّنات لبنان وقواه السياسية الرئيسة، وذلك تحت إشراف رئيس الجمهورية المباشر، الذي يظلّ ضابط الإيقاع على رغم من كل الذي حصل. فالحكومة الحالية القائمة دستورياً والحائزة على ثقة المجلس النيابي، يعتريها اليوم تعثر كبير في ظل الإحتقان القائم.

 

وفي هذا الوقت الضائع في متاهة التجاذبات السياسية، تمعن الدولة العبرية قتلاً وتدميراً في الجنوب وسواه من المناطق التي تجد مصلحة في استهدافها، وإنّ الحوار الوطني المباشر والصريح الذي يطرح فيه كل طرف هواجسه وتطلّعاته، يبقى أفضل من التمترس وراء عناوين لا يمكن إيجاد حل لها من دونه.

 

إنّ الأيام المقبلة ستشهد سلسلة من الاتصالات السياسية والديبلوماسية لسبر مواقف الأطراف جميعهم، والوصول إلى قواسم مشتركة تساعد على صوغ آليات تواصل واتصال، تُتوَّج بلقاء بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي لتجاوز ما حصل أخيراً. فالرئيس جوزاف عون هو رئيس جميع اللبنانيِّين بموجب الدستور الذي أقسم اليمين على التقيُّد به، فيما الرئيس نبيه بري الذي ينهض بتبعات جسام، لا يدخر وسيلة لتدوير الزوايا وبناء الجسور بدل هدمها، في هذه الأحوال المصيرية الخطيرة التي يمرّ فيها لبنان، ولاسيما جنوبه والطائفة الشيعية.

الأكثر قراءة