التسجيل في مرمى «أزتيكا» في انطلاقة المونديال اليوم
تشارلي ديفيز- نيويورك تايمز
Thursday, 11-Jun-2026 06:37

تخيَّل أنّ أكثر ملعب صخباً على وجه الأرض يسقط فجأة في صمتٍ تام. هذا ما يحدث عندما تُسجِّل هدفاً في مرمى المكسيك على أرض ملعب «إستاديو أزتيكا» الأسطوري، الذي يُعرَف بحقّ بأنّه كاتدرائية كرة القدم العالمية. وأنا أعلم ذلك، لأنّني فعلتها بنفسي. كان هذا الملعب مسرحاً لبعض أكثر لحظات كأس العالم أيقونيةً في التاريخ. فقد تُوّج بيليه بالبطولة هناك مع البرازيل عام 1970، وحقّق دييغو مارادونا الأمر نفسه مع الأرجنتين عام 1986، ضمن مشواره في مدينة مكسيكو الذي تضمّن هدفه الشهير: «يَد الله».

الليلة، سيعود الملعب المُجدَّد إلى الحياة من جديد مع كأس عالم أخرى، ليصبح الملعب الوحيد الذي يستضيف البطولة 3 مرّات، عندما تفتتح المكسيك بطولة 2026 بمواجهة جنوب إفريقيا. أمّا لحظتي التاريخية هناك فكانت عام 2009، عندما سجّلت أحد أكثر أهدافي رسوخاً في الذاكرة بقميص المنتخب الأميركي خلال مباراة في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم. ما زلتُ أتذكّر تلك اللحظة وكأنّها حدثت قبل 5 دقائق فقط. المشاهِد. الروائح. الأصوات. وحتى مجريات الهجمة نفسها.

 

كان ذلك في 12 آب، عندما مرّر لاندون دونوفان كرة بينية مثالية أمامي في الدقيقة التاسعة. كان اللاعبون المكسيكيّون منشغلين به إلى درجة كبيرة، ما ترك مساحة لي للتسلّل من الخلف عبر الجهة اليسرى. كانت الكرات البينية الطريقة الرئيسية التي أسجّل بها معظم أهدافي عندما كنتُ أصغر سناً، لأنّني كنتُ سريعاً، وها أنا أنطلق...

 

كلّما اقتربت من الحارس غييرمو أوتشوا، بدا المرمى أكبر فأكبر. كنتُ أعلم بنسبة مئة في المئة أنّ الكرة ستسكن الشباك. وقد انحنت الكرة تماماً إلى المكان الذي أردتها أن تذهب إليه. في تلك اللحظة، شعرتُ وكأنّني خرجتُ من جسدي. مليون فكرة مرّت في ذهني.

هل حدث ذلك حقاً؟ هل سجّلتُ للتو في مرمى المكسيك؟ لم أستطع تصديق الأمر. أتذكّر أنّني عندما كنتُ طفلاً كنت أشاهد فصول المنافسة بين الولايات المتحدة والمكسيك تتطوَّر عام 1997. وفجأة، ها أنا أعيشها بنفسي. استوعبت كل شيء من حولي، واستمتعتُ بالصمت. تنتقل من أكثر الأجواء ضجيجاً عرفتها البشرية إلى صمت عميق إلى درجة تُصيبك بالذهول.

 

لم يستوعب المشجّعون المكسيكيّون أي فكرة عمّا أصابهم، وقد أحببتُ ذلك تماماً. ربما كان هناك نحو 500 مشجّع أميركي فقط سافروا متحدّين العداء التاريخي وحدّة المنافسة لحضور المباراة شخصياً، وكنتُ أسمع هتافاتهم في الزاوية العلوية اليمنى البعيدة من الملعب. كان الأمر سحرياً.

ثم اتخذت قراراً غير حكيم، وأنا في الـ23 من عمري، بالركض نحو الراية الركنية للاحتفال بالهدف. للحظة، ظننتُ أنّني كنتُ في موقف تسلّل لأنّ أياً من زملائي لم يتبعني. لكنّ الحقيقة أنّ أحداً لم يأتِ لأنّهم كانوا يعلمون أنّني جعلتُ نفسي هدفاً للجماهير المكسيكية. رفعتُ رأسي ورأيتُ العملات المعدنية والزجاجات والبطاريات تُقذَف نحوي. وبينما أدركتُ سريعاً أنّه مكان صعب للعب، فإنّ ذلك كلّه جزء من سحره.

 

«أزتيكا» عرين الأسود

ما يميّز «إستاديو أزتيكا» هو حجم التاريخ الذي يحمله. وهذا ما يجعله أكثر أهمّية. إذا كنت طالباً حقيقياً لهذه اللعبة، فإنّ ذلك يثير حماسك. عندما تدخل إلى الملعب، تجد نفسك مُجبراً على استحضار اللحظات الكروية الخالدة التي شهدتها تلك الأرض، لأنّك ترى اللوحات التذكارية أثناء دخولك. إنّها تصدمك مباشرة. فأنت تمشي على أكثر أرضية لعب شهرة في تاريخ كرة القدم.

كما يجب أن تفهم حجم التوقعات التي يحملها المشجّعون المكسيكيّون عندما يلعب منتخبهم في هذا الملعب. تشعر وكأنّ الفريق لا يُقهَر في تلك الأجواء. يحاول المشجّعون ترهيبك أو جعلك تشعر بأنّك ستنهار تحت ضغط الجماهير والارتفاع عن سطح البحر والحرارة. سيفعلون كل ما بوسعهم لدعم لاعبيهم. وكأنّ كبرياء البلاد بأكملها يتجسّد داخل ذلك الملعب. هذا هو العالم الذي تدخل إليه. إنّه عرين أسود بكل معنى الكلمة.

 

أمّا الظروف داخل الملعب، فهي قاسية أيضاً، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى الارتفاع عن سطح البحر. فلن تتمكّن من استعادة الكمّية المعتادة من الأوكسجين بنفس الوتيرة التي اعتدت اللعب بها. أضف إلى ذلك حرارة مدينة مكسيكو، لتجد نفسك أمام معركة ذهنية تتطلّب إيجاد العقلية المناسبة. وهناك أيضاً الضجيج، وهو الأمر الذي صدمني أكثر من أي شيء آخر.

كنتُ أسمع تلك الروايات الأسطورية عن عدم قدرتك على سماع زملائك داخل الملعب، وكنتُ أظنّها من قصص التخويف القديمة. عادةً ما تكون هذه الأمور مبالغاً فيها. لكن عندما تطأ قدماك أرضية «أزتيكا» وتنطلق المباراة، فإنّك لا تسمع أحداً.

التواصل الكلامي يصبح بلا قيمة. يمكنك استخدام كل إشارات اليد التي تريدها، لكن عندما تكون وسط مجريات اللعب، فإنّ كل ما تسمعه هو الضجيج. إنّهم يحاولون ترهيبك.

 

علاقة الجمهور باللاعبين

وفوق ذلك، هناك لاعبو المنتخب المكسيكي الذين يلعبون بطاقة وشغف وصلابة تعكس مدى فخرهم بتمثيل مدنهم وبلداتهم ومجتمعاتهم وعائلاتهم. يمكنك أن تلمس أنّهم يقدّمون شيئاً إضافياً؛ المزيد في الالتحامات، والمزيد في الركض للعودة إلى المواقع الدفاعية. ذلك الضغط الجماهيري ينعكس بوضوح على اللاعبين، وغالباً ما يدفعهم إلى إخراج أفضل ما لديهم... إلى أن يحدث العكس.

 

وما أقصده بذلك، هو أنّه إذا انقلب الجمهور المكسيكي على فريقه، فإنّ الأجواء تبدأ بالتحوُّل إلى شيء أكثر عدائية. بعد أن سجّلت الهدف، أدرك لاعبو المنتخب المكسيكي أنّهم بحاجة إلى رفع المستوى. لقد غذّى الضغط أداءهم. عرفوا أنّهم مطالبون بالردّ، وسجّلوا بعد فترة قصيرة. وظلّ الجمهور خلفهم طوال المباراة. وعندما سجّلوا هدف الفوز قرب النهاية وأنهوا اللقاء بنتيجة 2-1، فقَدَ المشجّعون صوابهم تماماً.

الأكثر قراءة