بعد عقود من اعتبار الحصبة مرضاً يمكن السيطرة عليه بفضل اللقاحات، عاد الفيروس ليتصدّر الاهتمام الطبي والعلمي في الولايات المتحدة، مع تراجع معدلات التطعيم وظهور موجات تفشٍّ واسعة، دفعت شركات التكنولوجيا الحيوية إلى البحث عن علاجات دوائية، قد تغيّر قواعد المواجهة مع المرض.
عندما بدأ الباحث داويد زيلا دراسة الحصبة عام 2020 في معهد لا جولا للمناعة في سان دييغو، كان كثيرون يرَون أنّ تخصيص مسيرة علمية لفيروس قديم لم يعُد يشكّل تهديداً كبيراً، أمر غير مبرّر. فاللقاح الفعّال أبقى المرض تحت السيطرة لأكثر من 20 عاماً، ولم يكن هناك اهتمام يُذكر بتطوير أدوية لعلاجه، خصوصاً مع انشغال العالم بجائحة كورونا وأبحاث أمراض أكثر إلحاحاً.
من حالة اللامبالاة إلى سباق محموم
لكنّ المشهد تغيّر جذرياً عام 2025، حين شهدت الولايات المتحدة أكبر موجة تفشٍّ للحصبة منذ عام 1991، بعدما انتشر المرض في مجتمعات منخفضة التطعيم. عندها انتقل الباحثون من حالة اللامبالاة إلى سباق محموم لإيجاد علاجات قادرة على الوقاية من العدوى أو الحدّ من مضاعفاتها.
وخلال العام الجاري، أعلنت شركتان أميركيّتان للتكنولوجيا الحيوية، بدء اختبار علاجات قائمة على الأجسام المضادة، فيما بدأت شركة أخرى تجارب على مضاد فيروسات جديد. كما نشرت مجموعات أكاديمية نتائج أولية مشجّعة لأدوية لا تزال في مراحلها المبكرة.
رهان الشركات
وعلى رغم من أنّ هذه العلاجات تحتاج إلى سنوات من الاختبارات قبل وصولها إلى المرضى، فإنّ الشركات تراهن على وجود سوق جديدة لم تكن قائمة قبل سنوات قليلة. ويعكس ذلك اقتناعاً متزايداً لدى خبراء الصحة العامة بأنّ الاعتماد على اللقاحات وحدها قد لا يكون كافياً لمنع تفشي الحصبة في ظل تصاعد التردُّد تجاه التطعيم.
وتتنوَّع المقاربات العلمية المطروحة. ففريق بحثي في جامعة ولاية جورجيا يعمل على تطوير حبة دوائية مضادة للفيروسات تهدف إلى منع تكاثره داخل الجسم، ما قد يحدّ من تطوُّر الإصابة إذا أُعطيت في مراحلها المبكرة. وفي المقابل، تركّز شركات أخرى على تطوير أجسام مضادة وحيدة النسيلة، يمكن إعطاؤها للأشخاص الأكثر عرضة للخطر، مثل الرضّع الذين لم يبلغوا سن التطعيم أو أصحاب المناعة الضعيفة.
غياب العلاج لضعف الجدوى الاقتصادية
ويرى الباحثون، أنّ غياب علاج معتمد للحصبة لم يكن نتيجة صعوبة علمية، بل بسبب ضعف الجدوى الاقتصادية. فمع انخفاض عدد الإصابات في الدول الغنية وارتفاع تكاليف تطوير الأدوية، لم تجد الشركات حافزاً كافياً للاستثمار في هذا المجال.
لكنّ الواقع الجديد فرض حسابات مختلفة. فقد انخفضت معدّلات التطعيم بين أطفال رياض الأطفال في الولايات المتحدة إلى ما دون عتبة 95% اللازمة لمنع تفشي المرض، ما أثار مخاوف من أن تصبح موجات الحصبة الكبيرة جزءاً من الواقع الصحي المعتاد.
وقد عزّزت هذه المخاوف تسجيل وفيات ومضاعفات خطيرة خلال التفشيات الأخيرة، بينها حالات التهاب رئوي حاد وتورم دماغي، بالإضافة إلى وفاة طفلتَين في ولاية تكساس نتيجة مضاعفات المرض.
وبينما تؤكّد الأوساط العلمية، أنّ اللقاح يبقى الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من الحصبة، فإنّ الحاجة إلى علاجات مساندة أصبحت أكثر إلحاحاً. فحتى لو استمرّت حملات التطعيم، يرى الباحثون أنّ وجود أدوية قادرة على حماية الفئات الهشة، أو تقليل شدّة الإصابة قد يشكّلان خط دفاع إضافياً في مواجهة عودة أحد أقدم الأمراض المعدية التي عرفتها البشرية.