أكّد نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، أمس الأحد، أنّ «تقدّماً كبيراً» قد أُحرز في مستهلّ المحادثات الأميركية - الإيرانية في سويسرا، لكنّه حذّر من أنّها «لن تحلّ كل الخلافات»، فيما خيَّم النزاع بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان، ووضع مضيق هرمز، على الجهود الرامية للتوصّل إلى اتفاق سلام أوسع، خلال المحادثات التي بدأت بشكل جدّي عند الساعة 3:09 بعد الظهر بالتوقيت المحلي في منتجع سويسري على ضفاف بحيرة لوسيرن، وكانت تُدار بوساطة مسؤولين باكستانيّين وقطريِّين. ووصف فانس المناقشات بأنّها «مفاوضات تقنية» من شأنها أن تساعد في «تحديد ما يهمّ كل طرف أكثر، وتسوية تلك القضايا، وحل تلك المشكلات».
وتواجه المفاوضات عقبتَان رئيسيّتَان على المدى القريب. إحداهما هي القتال في لبنان بين إسرائيل و«حزب الله»، الميليشيا المدعومة من إيران. وقد تجدّد هذا النزاع يوم السبت على رغم من وقف إطلاق نار جديد، إلّا أنّه بدا أنّه هدأ أمس، بعدما وجّهت الحكومة الإسرائيلية الجيش إلى حصر تحرُّكاته بالإجراءات الدفاعية.
أمّا القضية الرئيسية الأخرى، فهي عبور السفن عبر مضيق هرمز. فقد نصّ اتفاق أميركي - إيراني أولي، وُقّع الأسبوع الماضي، على وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً، تعهّدت خلاله الولايات المتحدة بإنهاء حصارها للموانئ الإيرانية، فيما تعهّدت إيران بالسماح بحرّية الملاحة عبر المضيق، وهو ممرّ مائي حيوي لنقل النفط والغاز.
وسيتعيّن على الطرفين أيضاً معالجة قضايا عالقة أخرى، من بينها تخفيف العقوبات المفروضة على إيران، وصيغة صندوق إعادة إعمار بقيمة 300 مليار دولار. كما سيظلّ عبور السفن عبر مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يُعدّ ممراً أساسياً لإمدادات النفط والغاز العالمية، حاضراً بقوّة في المفاوضات. وقد يتطرّق الطرفان أيضاً إلى برنامج إيران للصواريخ الباليستية.
رفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمّدة
فتح الإطار الأميركي - الإيراني الذي وُقِّع الأسبوع الماضي الباب أمام الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمّدة ورفع العقوبات الخانقة المفروضة على البلاد، مشيراً إلى أنّ هذه المسألة ستُعالَج «فوراً» خلال المفاوضات. وبالنسبة إلى إيران، التي أنهك اقتصادها سنوات من العزلة المرتبطة بالعقوبات، وتعرّض لدمار واسع جرّاء 3 أشهر من الحرب، فإنّ استعادة مليارات الدولارات من الأصول المجمّدة في الخارج تُعدّ أولوية في المفاوضات. أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإنّ قدرتها على منح إيران انفراجاً مالياً تمثّل ورقة ضغط قوية. وكان الرئيس ترامب قد أشار إلى أنّ العقوبات ستُرفع عن إيران «بمجرّد أن تحسن التصرّف»، في إشارة إلى أنّ تخفيف العقوبات لن يُمنح فوراً.
وفي مقابلة مع قسم الرأي في صحيفة «نيويورك تايمز» يوم الخميس، ألمح فانس إلى أنّ تخفيف العقوبات قد يُربط بتعهّدات إيرانية بوقف دعم الوكلاء الإقليميّين مثل «حزب الله» في لبنان والحوثيّين في اليمن.
وأوضح أندرياس كريغ، الخبير في أمن الشرق الأوسط في كلية كينغز كوليدج في لندن، أنّ نقطة الخلاف لا تتمثّل كثيراً في الالتزام بتقديم تخفيف مالي، بقدر ما تتمثّل في مسألة التسلسل الزمني.
صندوق إعادة الإعمار
كما تعهّدت الولايات المتحدة في الاتفاق الأولي بالمساعدة في وضع خطة لصندوق إعادة إعمار لإيران بقيمة 300 مليار دولار، لكنّ ترامب قال لاحقاً إنّ الحكومة الأميركية نفسها لن تكون جزءاً من هذا الصندوق، ما يترك المجال مفتوحاً أمام دول أخرى، مثل دول الخليج الفارسي، لتوفير التمويل. ووفقاً لشروط الاتفاق الأولي، فإنّ آلية تنفيذ هذا الصندوق ستكون أيضاً جزءاً من الجولة الأخيرة من المفاوضات.
وبحسب أحد الديبلوماسيّين، فإنّ الصندوق سيُنشأ عند استكمال اتفاق نهائي شامل، وسيكون قناة للاستثمار الخاص بدلاً من أن يكون برنامجاً لتعويضات الحرب. وأضاف أنّ شركات من الولايات المتحدة والشرق الأوسط وآسيا وأميركا الجنوبية وأفريقيا، تعهّدت بالفعل بتوفير نحو نصف المبلغ.
مضيق هرمز
لا يُلزم الاتفاق الأولي إيران إلّا بعدم فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز لمدة لا تقلّ عن 60 يوماً، ويؤجّل مسألة قابلية الملاحة فيه إلى محادثات مستقبلية مع سلطنة عُمان ودول أخرى في المنطقة.
وأشارت وزارة الخارجية الإيرانية، إلى أنّ طهران قد تفرض، بعد انقضاء مهلة الـ60 يوماً، رسوماً مقابل خدمات لم تُحدَّد طبيعتها، وهو ترتيب كانت إدارة ترامب قد عارضته.
وأضاف ترامب تعقيداً محتملاً إلى المفاوضات الخاصة بالمضيق، بتشديده على أنّه لن تكون هناك أي رسوم عبور «إلّا إذا فُرِضت من قِبل الولايات المتحدة ولمصلحتها».
الصواريخ الباليستية
اعتبر مسؤولون في إدارة ترامب في وقت مبكر من الحرب، أنّ الحدّ من برنامج إيران للصواريخ الباليستية قصيرة المدى - وهو أحد أبرز هواجس إسرائيل - يُعدّ هدفاً أساسياً. لكن بعد مرور شهرَين، خَلُصَت تقييمات الاستخبارات الأميركية إلى أنّ هذا الهدف لم يتحقّق بعد، إذ لا تزال إيران تحتفظ بنحو 70% من منصّات الإطلاق المتحرّكة لديها، كما تحتفظ بالنسبة نفسها تقريباً من مخزونها الصاروخي الذي كان موجوداً قبل الحرب.
ويبدو أنّ ترامب قد تراجع صراحة عن هذا الهدف، مشيراً إلى أنّه مستعدّ لقبول مستقبل تحتفظ فيه إيران بصواريخ باليستية، مضيفاً «إذا كانت لدى دول أخرى مثل هذه الصواريخ، فمن غير العادل قليلاً ألّا يكون لديها بعضها».
وتوقّع كريغ، أنّه إذا كان من المقرّر التوصّل إلى اتفاق نهائي، فيجب أن يتناول برنامج الأسلحة الباليستية الإيراني بصياغات عامة فقط. وأوضح أنّ فرض قيود على برامج الصواريخ التقليدية يُعدّ أمراً غير مألوف نسبياً مقارنة بالقيود المفروضة على الأسلحة النووية. وأضاف، أنّ ذلك بالنسبة إلى الإيرانيّين «يكاد يكون القدرة الوحيدة التي تمنحهم أي نوع من الردع، وخصوصاً في مواجهة إسرائيل. عندما نشهد مثل هذه القيود، فإنّ ذلك يكون عادة بعد حرب تنتهي باستسلام كامل». وأضاف أنّ الإيرانيين يعتبرون إلى حدّ كبير أنّ موقعهم التفاوضي اليوم أقوى ممّا كان عليه قبل الحرب. لذلك، إنّ احتمال قبولهم بأي التزام يفرض رقابة صارمة على برنامجهم للصواريخ الباليستية، أو أي سقوف صارمة لهذا البرنامج، هو أمر «غير واقعي».