بعد الحروب والإخفاقات... تفاؤل حذر بمحادثات سويسرا
إريكا سولومون- نيويورك تايمز
Wednesday, 24-Jun-2026 07:14

استغرق الأمر حربَين مدمّرتَين وانهيار محاولتَين سابقتَين للوساطة. والآن، يعتقد خبراء إقليميّون، أنّ إيران والولايات المتحدة تبدوان أخيراً مستعدّتَين، على الأقل، لمحاولة التوصُّل إلى اتفاق بحسن نية. وكان التشاؤم مرتفعاً عندما انطلقت المفاوضات في نهاية الأسبوع الماضي في سويسرا، برعاية وسطاء دوليّين، وجمعت وفوداً يقودها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. كما أنّ انعدام الثقة بين البلدَين عميق ومتجذِّر منذ عقود. وقد استغرق الأمر أشهراً من التجاذبات بين الوسطاء لصياغة إطار للمحادثات، يمكن للطرفَين الموافقة عليه. ومنذ بدء المحادثات، قدّم الجانبان روايات مختلفة، إلى درجة أنّ المرء قد يتساءل عمّا إذا كانا يحضران المفاوضات نفسها.

ومع ذلك، يرى محلّلون سياسيّون، أنّ الطرفَين لديهما حاجة حقيقية الآن لتحقيق تقدّم. وأوضح عبد الرسول ديوسالار، الخبير في الشؤون الإيرانية في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو: «ببساطة استُنفدت جميع الخيارات الأخرى. وهذا يقودني إلى استنتاج مفاده أنّنا قد نصل إلى مسار إيجابي».

حاولت إدارة ترامب، وفشلت، في إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إخضاعها لإرادتها من خلال حرب شاملة. وأدّى ذلك إلى أزمة طاقة عالمية، بعدما أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز.

 

وبينما قد تكون إيران نجت من الهجوم الأميركي، فإنّها خسرت جزءاً كبيراً من نخبها السياسية والعسكرية، بمَن في ذلك مرشدها الأعلى آية الله علي خامنئي. وتواجه كارثة اقتصادية متفاقمة واضطرابات داخلية كامنة، ما يعني أنّ قادتها الجدد حريصون على إيجاد طريق نحو الاستقرار.

وحتى إذا كان الطرفان يرغبان في التوصُّل إلى اتفاق، فسيواجهان العديد من العقبات. فقد جعلت إيران مشاركتها في المحادثات مشروطة بوقف إطلاق النار في لبنان بين ذراعها «حزب الله»، وإسرائيل. ويرى محلّلون أنّ إيران تعتبر ذلك وسيلة لاختبار قدرة إدارة ترامب على كبح جماح حلفائها الإسرائيليّين، فربط المحادثات بمثل هذا الوقف لإطلاق النار الهش يترك مجالاً واسعاً لانهيار المفاوضات.

 

ثم هناك الهدف النهائي الشاق لهذه المحادثات، الذي يتمثل، من وجهة نظر واشنطن، في الحدّ من البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران تخفيف العقوبات الأميركية الخانقة.

استغرق الأمر حوالى عامَين حتى تفاوضت إدارة أوباما على الاتفاق النووي الشامل مع إيران عام 2015، لكنّ ترامب انسحب منه عام 2018 واصفاً إياه بالاتفاق السيّئ، وتبدو فكرة أن يتمكن فريقه من التوصُّل إلى شروط أفضل خلال 60 يوماً من المفاوضات أمراً غير مرجّح للغاية.

 

ويتوقع خبراء إقليميّون أن تمتد المفاوضات إلى ما بعد تلك الفترة الزمنية بكثير، وربما لأشهر. وعلى رغم من أنّ مهلة الـ60 يوماً الأولية لإنجاز المفاوضات قد تبدو غير واقعية، فإنّها قد توفّر محطات مفيدة للطرفَين لتقييم مدى التقدُّم المحرز والحفاظ على الزخم، بحسب إيلي جيرانمايه، المحلّلة ومؤلفة «مرصد البرنامج النووي الإيراني» التابع للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، الذي يتابع الأنشطة النووية الإيرانية. لكنّ جيرانمايه ترى عقبة كبرى لاحقة أمام المحادثات، إذ سيتعيّن على إيران في نهاية المطاف السماح للمفتشين الدوليّين بالدخول إلى منشآتها النووية، وسيحتاجون إلى النظر في نحو 970 رطلاً من اليورانيوم عالي التخصيب لدى إيران، إذ قد يكون مدفوناً تحت أنقاض المواقع النووية التي استهدفتها الولايات المتحدة وإسرائيل خلال حرب الـ12 يوماً في حزيران الماضي.

 

وأضافت: «إذا كان هناك تفاوت في الأرقام، فستكون تلك لحظة توتر هائلة»، مشيرةً إلى أنّ إيران ستصرّ على الأرجح على أنّ المواد فُقدت خلال القصف، بينما ستقول واشنطن إنّها أُخفِيت بقصد صنع قنبلة، «في الواقع، إنّها النقطة التي أخشاها أكثر من غيرها لانهيار المحادثات».

وعلناً، يصرّ كل طرف على أنّ الطرف الآخر هو الذي يقدِّم جميع التنازلات حالياً. فأعلن ترامب أنّ إيران وافقت على السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة للمرّة الأولى منذ حرب الأيام الـ12، وهو التزام تنفي إيران تقديمه. ومضى ترامب أبعد في تأكيده، معتبراً أنّ إيران وافقت على «عمليات تفتيش تمتد إلى المستقبل البعيد (إلى ما لا نهاية!). عدم الموافقة على ذلك كان سيعني عدم وجود مفاوضات إضافية».

 

وقد يكون الخلاف متعلّقاً بالصورة الإعلامية، بحسب جيرانمايه، إذ قد يكون المسؤولون الإيرانيّون يخطّطون للسماح بالتفتيش، مع التأكيد أنّهم وافقوا عليه في إطار مفاوضاتهم مع الوكالة الأممية المعنية، وليس باعتباره تنازلاً لواشنطن. ويعتقد ساسان كريمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران والمسؤول الحكومي الإيراني السابق، أنّ المطالب القصوى من الجانبَين هي في معظمها مجرّد استعراض للمواقف، والخلافات موجودة «لكنّها ليست بالحجم الذي يُظهَّر». وأشار إلى أنّ الخطاب المتشدِّد يُرجّح أنّه يهدف إلى إرضاء الجمهور الداخلي المتشدِّد في كلا البلدَين.

 

فترامب، الذي تعهّد يوماً بإجبار إيران على الاستسلام وبالحصول على اتفاق نووي أفضل من ذلك الذي أبرمه أوباما، بات مضطراً إلى إثبات أنّ التكاليف العالمية الضخمة للحرب التي بدأها كانت تستحق ذلك. وأضاف كريمي أنّ الحكومة الإيرانية يتعيّن عليها التعامل مع قاعدة متشدِّدة تعارض أي اتفاق مع الولايات المتحدة، وتشير استطلاعات رأي محلية إلى أنّها تشكّل نحو 38% من السكان، بالتالي يمثلون شريحة حيوية يجب استمالتها بعد خسارة عدد كبير من القادة الكبار خلال الحرب.

 

وأوضح فرزان ثابت، المحلِّل المتخصِّص في الشأن الإيراني في معهد جنيف للدراسات العليا في سويسرا، أنّ كلا الجانبَين أظهرا خلال الأسابيع الأخيرة قدراً غير متوقع من البراغماتية. وأضاف أنّ إدارة ترامب قدّمت لطهران أكثر ممّا كان يُتوقع، مشيراً إلى إعفاءات وزارة الخزانة الأميركية لمدة 60 يوماً من العقوبات المتعلقة ببيع النفط الإيراني، ممّا يمثل تحوُّلاً حاداً في السياسة الأميركية ويُتيح لإيران بيع نفطها الخام بأسعار سوقية أكثر ربحية.

 

وأضاف، أنّ الحكومة الإيرانية تبدو أيضاً وكأنّها تمهِّد الأرضية لتصوير محادثات السلام باعتبارها مطلباً شعبياً ووسيلة لإسكات منتقديها. وقبيل تصويت المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني على السماح بإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، قرّرت الحكومة اشتراط أغلبية الثلثَين لتمرير القرار بدلاً من الأغلبية البسيطة. ويرى ثابت أنّ هذه الخطوة كانت ذكية لأنّها سمحت للحكومة، عندما عارض عضو واحد فقط في المجلس، بتصوير المتشدِّدين الرافضين للمحادثات على أنّهم مهمّشون.

الأكثر قراءة