Conclave: الإيمان معركة على السلطة
Wednesday, 19-Aug-2026 09:21

في الغرف المغلقة للفاتيكان، حيث الصمت جزء من الطقوس، والسرّية قاعدة، والسلطة لا تُمارس دائماً بالصوت المرتفع، تدور أحداث Conclave للمخرج إدوارد برغر. الفيلم، المقتبس من رواية روبرت هاريس، يبدأ من حدث ديني استثنائي: وفاة البابا، ثم انتخاب خليفة له. لكن ما يبدو في الظاهر طقساً مقدّساً، يتحوَّل سريعاً إلى دراما سياسية مشحونة، حيث تتقاطع العقيدة مع الطموح، والضمير مع الحسابات، والإيمان مع أكثر أشكال السلطة بشرية.

المفارقة الأساسية أنّ الفيلم لا يحتاج إلى معارك أو مطاردات ليصنع التوتر. يكفي أن يغلق أبواب قاعة انتخاب البابا، ويضع مجموعة من الكرادلة في مكان واحد، ثم يبدأ بكشف الأسرار.

 

في مركز الحكاية يقف الكاردينال لورنس، الذي يؤدّيه رالف فاينس، المسؤول عن إدارة المجمع الانتخابي. لورنس ليس مجرّد رجل دين يدير إجراءات معقّدة، بل شخصية تعيش أزمة إيمان داخلية. فقد بدأ يشك في قدرته على اليقين، في وقت يُطلب منه أن يقود الآخرين نحو اختيار الرجل الذي سيقود الكنيسة الكاثوليكية.

 

الثبات والشك

وهنا ينجح الفيلم في بناء تناقضه الأكبر: الرجل الذي يفترض أن يكون الأكثر ثباتاً هو نفسه الأكثر شكاً.

 

يدخل الكرادلة المجمع الانتخابي وكل منهم يحمل تصوُّراً مختلفاً عن الكنيسة التي يريدها. هناك مَن يريد العودة إلى التقاليد، ومَن يفضِّل الإصلاح، ومَن يرى أنّ الكنيسة تحتاج إلى شخصية أكثر انفتاحاً، بينما يبحث آخرون عن قائد يستطيع الحفاظ على توازن مؤسسة ضخمة تتجاوز حدود الدين إلى السياسة والمجتمع والثقافة.

 

لكنّ Conclave لا يحوّل هذه الخلافات إلى مناظرة لاهوتية. إنّه يترجمها إلى لعبة نفوذ. التحالفات تتشكّل، ثم تنهار. الشائعات تنتشر. أصوات الاقتراع تتغيَّر. وكلّما اقترب أحد المرشحين من الفوز، تظهر معلومة جديدة تقلب المشهد.

 

الإثارة السياسية

بهذا المعنى، يشبه الفيلم أفلام الإثارة السياسية أكثر ممّا يشبه الدراما الدينية. الفاتيكان يصبح مؤسسة سياسية مغلقة، والكرادلة يصبحون لاعبين يعرفون أنّ كل كلمة قد تُغيّر ميزان القوى. رالف فاينس يحمل الفيلم بأداء متزن للغاية. لا يعتمد على الانفعالات الكبيرة، بل على التوتر الداخلي. لورنس رجل محاصر بين واجبه وبين شكوكه، وبين رغبته في الوصول إلى الحقيقة وخوفه من أن تكون الحقيقة أكبر ممّا يستطيع تحمُّله.

 

أمّا ستانلي توتشي، فيمنح شخصية الكاردينال بيليني حضوراً مختلفاً. إنّه الإصلاحي الذي يبدو في البداية مرشحاً مثالياً، لكنّه ليس أقل تعقيداً من منافسيه. وفي المقابل، يُقدِّم جون ليثغو شخصية ذات حضور أكثر برودة وحساباً، في حين تضيف إيزابيلا روسيليني، في دور الأخت أغنيس، عنصراً مهمّاً إلى عالم يهَيمن عليه الرجال.

 

ومن أفضل قرارات الفيلم، أنّ النساء لا يظهرن كجزء هامشي من المشهد. الأخت أغنيس، على رغم من وجودها في خلفية الأحداث، ترى ما لا يراه كثير من الرجال في الغرفة. إنّها تلتقط التفاصيل الصغيرة وتفهم دوافع الشخصيات، في تذكير بأنّ السلطة ليست دائماً لِمَن يجلس في مركز الطاولة.

 

حتى الصمت يبدو مشحوناً

بصرياً، يستخدم إدوارد برغر المساحات المغلقة لإنتاج شعور بالاختناق. الممرات، الغرف، الملابس الحمراء، القباب واللوحات القديمة كلها تمنح الفيلم مظهراً كلاسيكياً، لكنّ الكاميرا تتحرَّك بينها وكأنّها داخل فيلم تجسُّس. حتى الصمت يبدو مشحوناً. لكنّ القيمة الحقيقية للفيلم تظهر في علاقته بفكرة الإيمان. فـConclave لا يقول إنّ الدين مجرّد سياسة، ولا يقدِّم رجال الدين بوصفهم منافقين. إنّه أكثر تعقيداً من ذلك. يسأل ببساطة: هل يمكن لمؤسسة بشرية أن تحافظ على مثال ديني مطلق وهي تُدار بواسطة بشر لديهم طموحاتهم ومخاوفهم وأسرارهم؟

 

الهوية والسلطة والايمان

وهذا السؤال يجعل الفيلم أوسع من قصة انتخاب بابا جديد. إنّه عن المؤسسات التي تدّعي امتلاك الحقيقة، وعن البشر الذين يحاولون اتخاذ قرارات مصيرية في ظل معلومات ناقصة. كلّما تقدّم الفيلم، يتراجع السؤال «مَن سيكون البابا؟»، ليحلّ مكانه سؤال أكثر إثارة: ما الذي تخفيه المؤسسة التي ستختار هذا البابا؟ وهنا تأتي إحدى أهم نقاط قوّة السيناريو: المفاجآت ليست مجرّد حِيَل لإبقاء الجمهور متيقظاً، بل مرتبطة مباشرة بفكرة الفيلم عن الهوية والسلطة والإيمان. بعض الأسرار تُغيِّر نظرتنا إلى الشخصيات، لكنّها أيضاً تجبرنا على التفكير في معنى القيادة نفسها. قد يرى البعض أنّ النهاية تعتمد على مفاجأة كبيرة أكثر ممّا ينبغي، وأنّها تدفع الفيلم نحو الميلودراما. لكن حتى هذا الخيار يخدم الرغبة في زعزعة يقين المشاهد. فالفيلم بأكمله مبني على فكرة أنّ الحقيقة لا تكون دائماً بالشكل الذي نتوقعه.

 

في النهاية، Conclave فيلم عن السلطة متخفٍ في ثوب فيلم عن الدين. لكنّه أيضاً فيلم عن الشك، وربما عن ضرورة الشك نفسها. فالإيمان الذي لا يسمح بالسؤال قد يتحوَّل إلى عقيدة جامدة، والمؤسسة التي تخشى الشك قد تصبح أسيرة لصورتها عن نفسها.

 

وهكذا يخرج المشاهد من قاعة المجمع الانتخابي وهو يدرك أنّ المعركة لم تكن فقط على كرسي البابا. كانت المعركة على تعريف الكنيسة نفسها، وعلى السؤال الأصعب: هل تستطيع مؤسسة عمرها قرون أن تتغيَّر من دون أن تفقد هويّتها؟

الأكثر قراءة