ترامب يضغط اقتصادياً بمحدودية خياراته ضد إيران
ستيفن إيرلانغر- نيويورك تايمز
Thursday, 20-Aug-2026 07:27

صمدت إيران أمام العقوبات الأميركية القاسية منذ عام 1979. وهي تراهن على قدرتها على تحمُّل المزيد منها. وعلى مدى السنوات الـ47 التي انقضت منذ الثورة الإسلامية، اتخذت الولايات المتحدة خطوة تلو الأخرى لعزل إيران، مع انفراجة قصيرة فقط عقب الاتفاق النووي عام 2015، الذي شنّ الرئيس ترامب هجوماً لاذعاً عليه وانسحب منه عام 2018، واعداً آنذاك بـ»الضغط الأقصى»، وهو الآن، مع محدودية الخيارات العسكرية المتاحة أمامه، يهدّد بمزيد من الضغوط. وحذّر وزير الخزانة سكوت بيسنت الأسبوع الماضي من إجراءات «لم يسبق لها مثيل» - ربما تكون، بحسب ما يقترح محلّلون، عقوبات ثانوية على دول مثل الصين التي تشتري النفط الإيراني، أو عقوبات إضافية على المعاملات المالية.

ويرجّح محلّلون أن تكثّف إيران هجماتها على حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي، بدلاً من التخلّي عن قبضتها على مضيق هرمز. وأوضح داني سيتريونوفيتش، الخبير الإسرائيلي في الشأن الإيراني: «الاقتصاد الإيراني يواجه مشكلة خطيرة، لكنّه لا ينهار. والأهم من ذلك أنّ النظام من المرجح أن يصعّد قبل أن يستسلم».

 

إيران طوّرت طرقاً متطوّرة للتهريب وأسواقاً جديدة

وقد ساعدت العقوبات الأميركية والدولية والضغوط الاقتصادية، في التمهيد للاتفاق النووي عام 2015، عندما أجاز المرشد الأعلى آنذاك، آية الله علي خامنئي، إجراء مفاوضات للحدّ من البرنامج النووي الإيراني مقابل الإفراج عن الأصول المجمَّدة وتخفيف العقوبات. ومنذ انسحاب ترامب من الاتفاق وفرضه مزيداً من العقوبات، تكيَّفت إيران مع مستوى مرتفع من الاضطراب الاقتصادي، وطوّرت طرقاً متطوّرة للتهريب وأسواقاً جديدة، ولا سيما للنفط. وراهناً، تصرّ إيران على الحفاظ على سيطرة فعّالة على المضيق، في وقت تواصل البحرية الأميركية فرض حصار عليه. وتتمكّن بضع سفن من العبور، لكنّ حركة الملاحة تراجعت بأكثر من 90% مقارنةً بما كانت عليه قبل الحرب.

 

وقد تضرّر الاقتصاد الإيراني بشدّة، ما ألحق الأذى بالناس العاديّين، لكنّ قادة البلاد أظهروا، من خلال حملات القمع الوحشية للاحتجاجات والمعارضة، أنّهم غير مكترثين نسبياً بالرأي العام. وبعد أن نجت الجمهورية الإسلامية، التي أصبحت أكثر ميلاً إلى العسكرة وأكثر سلطوية، ممّا كانت تخشاه في السابق (حرب إسرائيلية - أميركية ضدّها)، مضت في تشديد موقفها. وأعلن إسماعيل بقائي، المتحدّث باسم وزارة الخارجية، أنّ الإجراءات الجديدة «لن يكون لها أي تأثير على موقف إيران».

 

ورأت سوزان مالوني، الخبيرة في الشأن الإيراني ومديرة السياسة الخارجية في مؤسسة «بروكينغز»: «لن ينجح الضغط الاقتصادي إلّا إذا كانت قدرتنا على الصمود أكبر من قدرة النظام الإيراني على الصمود، وليس واضحاً أنّ هذا رهان جيد. لقد تشكّل الاقتصاد الإيراني بفعل الضغط الاقتصادي الأميركي».

 

اقتصاد النفط

يعاني الاقتصاد الإيراني من دون شك، لكنّ معاناة تدريجية، في وقت يبقي فيه النظام قبضته الخانقة على أي احتجاج شعبي. ويشرح إسفندييار باتمانغليديج، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بورس آند بازار» البحثية في لندن، أنّ الاقتصاد الإيراني وقطاعه الصناعي ينكمشان بالتوازي للمرّة الأولى منذ 8 سنوات، منذ بدأت الحرب فعلياً في شباط. وأضاف، أنّ إيران ستواجه مزيداً من التحدّيات، بدءاً من ارتفاع التضخّم وصولاً إلى الضعف في سوق العمل: «لكنّ ذلك لن يؤدّي إلى نتيجة سياسية مختلفة».

 

وبلا شك، يشعر بعض القادة الإيرانيّين بقلق عميق إزاء الكارثة الاقتصادية، ويدعمون التوصُّل إلى اتفاق ديبلوماسي أسرع مع واشنطن. لكن يبدو أنّ القيادة موحّدة حول الإبقاء على السيطرة الفعلية على المضيق، باعتبارها أفضل وسيلة ضغط وردع لديها لمنع اندلاع حرب أخرى.

 

«أباريق الشاي»

وتكيّفت إيران مع العقوبات الأميركية والدولية من خلال تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين. وهي تبيع معظم نفطها بخصم للصين، التي تجاهلت العقوبات الدولية المفروضة على شراء النفط الإيراني. كما تستخدم مصافي تكرير صينية صغيرة ومستقلة، تُعرف باسم «أباريق الشاي»، وهي أقل عرضة للعقوبات الأميركية.

 

وطوّرت إيران شبكات تهريب و«أسطولاً ظلّياً»، تنقل من خلاله نفطها إلى سفن أخرى يمكنها بسهولة إخفاء مصدره. كما عملت على تعزيز قطاعها الصناعي وخفّضت بشكل حاد وارداتها واستخدامها للدولار، مستخدمة المصارف الأجنبية ومقايضة النفط بالسلع.

 

ومنذ اندلاع الحرب وبدء الحصار الأميركي، خزّنت إيران النفط على البر وفي مجموعة متنوّعة من الناقلات القديمة، فيما نقلت جزءاً منه براً عبر الطرق والسكك الحديد، وخفّضت الإنتاج في بعض الآبار. وعندما جرى توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في حزيران ورفع الحصار الأميركي موقتاً، استغلّت إيران فترة الهدوء بشكل حثيث.

 

وأكّد بريت إريكسون، من شركة «أوبسيديان ريسك أدفايزرز»، أنّ إيران كانت تمتلك بالفعل نفطاً خارج المضيق لبيعه قبل بدء الحصار، وفي بداية الاتفاق صدّرت 80 مليون برميل إضافية، قبل أن تُعيد واشنطن فرض العقوبات والحصار، ما خفّف الضغط على منشآت التخزين.

 

وقبل الحرب، كانت إيران تُصدِّر نحو 1,8 مليون برميل يومياً. أمّا الآن، ونظراً إلى ارتفاع سعر النفط بسبب النزاع، فإنّ إيران تتجاوز ما وضعته في موازنتها من إيرادات مبيعات النفط لهذا العام، بحسب قول إريكسون. وسعر صرف الريال الإيراني مقابل الدولار سيّئ، لكنّ وتيرة انخفاض قيمته تتباطأ، وكذلك التضخّم. وأوضح إريكسون: «إذا كانت واشنطن تعتمد على الضغط الاقتصادي، فلن ترغب في أن يكون التضخّم أبطأ وسعر صرف الريال أقل انخفاضاً ممّا كان عليه قبل الحرب. لتنجح السياسة، نحتاج إلى دفعهم إلى الانهيار بسرعة، لا أن ننتظر 9 سنوات إضافية لإسقاطهم. الخنجر يؤلم، لكنّه لا يقطع رأس العدو».

 

معركة الإرادات الاقتصادية

تراهن إيران على أنّ إغلاق المضيق سيضع مزيداً من الضغوط على ترامب، ليرمش أولاً ويتفاوض على اتفاق يمكن لإيران قبوله. وتعتمد طهران على تنامي القلق الاقتصادي لدى حلفاء أميركا، لدفع ترامب إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.

 

ويفتقد الاقتصاد العالمي ملايين البراميل من النفط يومياً، فيما تراجعت بشدّة المخزونات الاستراتيجية، بما فيها تلك الموجودة في أوروبا والولايات المتحدة. وتواصل أوكرانيا إلحاق أضرار بمصافي التكرير الروسية، ما يؤدّي إلى خفض إضافي في كمية النفط المتاحة في الأسواق.

 

وعلى المستوى الإقليمي، تضرَّر منتجو الطاقة الرئيسيّون، مثل قطر والبحرين والعراق والكويت، بشدّة جراء إغلاق المضيق، فيما جادلت السعودية وقطر وعُمان في واشنطن ضدّ المزيد من التصعيد العسكري، نظراً إلى قدرة إيران على استهداف منشآتها للطاقة.

 

وأوضحت مالوني، من مؤسسة «بروكينغز»: «في معركة الإرادات الاقتصادية، من غير المؤكّد جداً أن ينتصر الغرب». ويدافع ترامب عن الحرب باعتبارها ضرورية لضمان عدم قدرة إيران على صنع سلاح نووي. لكن بعدما تخلّى عن الاتفاق النووي عام 2015، حاولت إيران الضغط على العالم من خلال تعزيز عمليات التخصيب، التي أوصلتها إلى حافة أن تصبح قوّة عسكرية قادرة على امتلاك سلاح نووي، حتى في الوقت الذي كانت تنفي فيه سعيها إلى صنع قنبلة على الإطلاق.

 

وقد مات ذلك الضمان مع المرشد الأعلى السابق. ويبدو أنّ نجله وخليفته، آية الله مجتبى خامنئي، مستعد لمواجهة مفتوحة وطويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وتعتبره أجهزة الاستخبارات الأميركية أكثر مرونة في ما يتعلّق بصنع سلاح نووي. ويشرح ولي نصر، الخبير في الشأن الإيراني والأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، أنّ الثقة بترامب في إيران ضئيلة للغاية، وأنّ اتفاق 2015 يُنظر إليه باعتباره «كلمة من أربعة أحرف».

 

والآن، لا يعرض ترامب على إيران سوى القليل جداً في مقابل فتح مضيق هرمز، من دون أي التزام أميركي بفك تجميد أصولها أو رفع العقوبات عنها. وأكّد نصر: «لا يوجد اتفاق معقول مطروح على الطاولة بالنسبة إلى إيران. الخيار هو بين الاستسلام الكامل والقتال حتى النهاية. وهم راهنوا على أنّ السبيل الوحيد للحصول على اتفاق أفضل هو تحمُّل التكاليف الآن، وإبقاء الاقتصاد العالمي وقدمي ترامب تحت الضغط».

الأكثر قراءة