أو الخبراء لا يعرفون... أو يريدوننا ألّا نعرف
فادي عبود
Friday, 21-Aug-2026 07:16

يصرّ بعض الخبراء اليوم على استخدام كلمات وعبارات تضيّع البوصلة بدل أن تقود إلى الحقيقة. يتحدثون عن «أهمية القوانين الجديدة»، و»استعادة الثقة»، و»إعادة هيكلة القطاع المصرفي»، و»إرضاء الصندوق الدولي»، و»توزيع الخسائر»، بدل تسميتها باسمها الحقيقي: «سرقة العصر وأضخم عملية نهب في تاريخ الوطن»، كما ذكرنا في المقال السابق.

أولاً: لماذا القوانين الجديدة قبل تشخيص ما حصل؟

من تضييع الشنكاش الإيحاء بأنّ إصدار قوانين جديدة هو بداية الحل. أليس الهدف من القوانين الجديدة هو الحرص على عدم تكرار المصائب نفسها؟ وكيف سنحقق ذلك إذا لم نشخّص المشكلة بعمق؟

ألم يسأل الخبراء: هل كانت القوانين السابقة مناسبة، وتمّ تجاوزها؟ أم أنّها كانت تحتوي على ثغرات وفجوات سمحت بالتجاوزات والالتفاف عليها؟ أم أنّ الأمرين حصلا معاً؟

 

هل تمّ في السابق إقرار قوانين تشرّع السرقة؟ وفي كل الحالات، كيف يمكن أن نبحث عن حلول ونصدر قوانين جديدة قبل أن نشخّص المشكلة ونفهم كيف وقعت، ومن سمح بوقوعها؟

 

ثانياً: استعادة الثقة... بمن؟

أما الحديث عن «استعادة الثقة»، فنريد أن نسأل الخبراء: الثقة بمن؟

كيف تُعاد الثقة إلى من تسبب في كل هذا التعتير ، وتسبّب بالمصائب التي نعيش نتائجها حتى اليوم؟ ألم يقل المثل: «اللي بيجرّب المجرّب بيكون عقلو مخرب»؟

 

الفكرة هنا ليست إعادة الثقة إلى الأشخاص أنفسهم، بعدما أثبتوا، من دون أدنى شك، عدم كفاءتهم في إدارة الأزمة وحماية حقوق الناس. المطلوب هو إعادة الثقة إلى نظام قائم على الشفافية، والمساءلة، واحترام حقوق أصحاب الحقوق، وضمان عدم تكرار الجرائم والممارسات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.

 

أما مسؤولية الأشخاص الذين كانوا في موقع القرار، فلا تُحسم بالشعارات ولا بعبارات «استعادة الثقة». لقد ثبت فشلهم، ويبقى على التحقيقات الجدّية والمستقلة أن تحدّد ما إذا كان الأمر قد اقتصر على سوء الإدارة وعدم الكفاءة، أم تجاوز ذلك إلى تورط جنائي مباشر في المساس بحقوق الناس.

فالهدف ليس أن نثق مجدداً بمن سببوا هذه المصائب، بل أن نبني نظاماً لا يسمح لهم، أو لغيرهم، بتكرار ما حدث.

 

ثالثاً: إعادة هيكلة القطاع المصرفي... ولكن أي مصارف؟

حول الحديث عن أهمية إعادة هيكلة القطاع المصرفي، علينا أن نذكّر الخبراء بأنّ الأموال وُضعت بأمانة لدى المصارف، ولم تُردّ إلى أصحابها.

 

كرّرنا مراراً، أنّه يجب ان يُدقق في كل مصرف على حدة، وأن تُفتح دفاتره وتُقارن أرقامه بأرقام مصرف لبنان، وأن تُدقَّق حساباته وعملياته من خلال أشخاص لا غبار عليهم، وهذه نقطة سنأتي إلى تفصيلها لاحقاً. عندها فقط يمكن أن نعرف ما حصل فعلاً: من أساء الأمانة، ومن أخطأ، ومن كان يعلم، ومن تفرّج على ما كان يحدث.

وبعد التدقيق، إذا تبيّن أنّ مصرفاً قام بكل ما كان مطلوباً منه، ولم يرتكب مخالفة أو تجاوزاً، وأنّ النقص الذي أصاب حقوق الناس نتج حصراً من قرارات أو ممارسات فرضها مصرف لبنان، فلا يجوز تحميل هذا المصرف مسؤولية ما لم يتسبّب به. عندها تكون المطالبة بالحقوق في مواجهة الجهة التي تسببت فعلياً بالضرر، بحسب ما يثبته التدقيق.

 

ومن هنا، فإنّ المصرف الذي يعتبر نفسه مظلوماً أو يرى أنّ المسؤولية لا تقع عليه، نطالبه بأن يبادر من تلقاء نفسه إلى كشف حساباته وعملياته، وأن يضع الحقائق أمام الناس والرأي العام، وأن يبرئ نفسه بالأرقام والمستندات، لا بالتصريحات.

نحن لا نطالب بإدانة المصارف جماعياً، ولا بإعفائها جماعياً. نطالب بالحقيقة. ومن تثبت براءته يجب أن يُبرّأ، ومن تثبت مسؤوليته يجب أن يتحمّلها. فهناك فرق كبير بين من يستحق ومن لا يستحق، وبين من تسبّب بالضرر ومن فُرض عليه.

 

رابعاً: الاقتصاد سيُقلع بعد إعادة الأموال لأصحابها وفتح مصارف جديدة

لم نسمع الخبراء يطالبون بفتح المجال أمام مصارف جديدة، مع كل الإصرار على إبقاء المنظومة المصرفية كما هي.

 

لا تتأملوا أن يتمّ تقليع الاقتصاد بالمصارف القائمة، لأنّ الناس فقدت الثقة بها. ولكن ستتفاجؤون بسرعة تقليع الاقتصاد، اذا سُمح لمصارف جديدة بالعمل، وترافق ذلك مع إعادة الأموال لأصحابها.

 

خامساً: لماذا يُقدَّم صندوق النقد الدولي وكأنّه شبكة الخلاص؟

ومن الأمور التي يصرّ بعض الخبراء على تكرارها أيضاً، الإيحاء بأنّ صندوق النقد الدولي هو شبكة الخلاص، وأنّ لبنان لن يستطيع استعادة عافيته الاقتصادية من دونه.

لكن، ألم يتذكر الخبراء كيف كان صندوق النقد

نفسه يشيد بأداء مصرف لبنان، ويمدح دوره على مدى السنوات التي سبقت الانهيار؟ وكان رياض سلامة يحظى بتقدير وجوائز دولية متكرّرة، ومنها تصنيفه بدرجة «A» بين أفضل حكام المصارف المركزية في العالم. لم يُشر الصندوق ولا مرّة إلى خطورة السياسات المعتمدة، بل إنّ المديح المستمر للحاكم أعطاه ثقة دولية وداخلية.

 

سادساً: أين الشفافية المطلقة التي لا يتحدث عنها الخبراء؟

وهنا نعود إلى الخبراء أنفسهم، لكن هذه المرّة إلى السؤال الأوسع، الذي يفترض أن يفرض نفسه بعد كل المصائب التي مرّ فيها اللبنانيون: أين مطالبتهم بالشفافية المطلقة في كل شيء؟

كيف يمكن أن نتحدث عن الإصلاح، بينما لا تزال المناقصات والهدر والإنفاق العام تمرّ خلسة من دون رقابة فعلية، وكأنّ ما حصل خلال السنوات الماضية لم يكن كافياً لنتعلّم أنّ غياب الشفافية هو باب للفساد والهدر والانهيار؟

 

لماذا لا نسمع الخبراء يطالبون بشراسة بقانون واضح وملزم للشفافية، يجعل البيانات العامة مفتوحة أمام المواطنين والإعلام والباحثين، ويلزم الدولة ومؤسساتها بنشر المعلومات والصفقات والمناقصات والإنفاق والقرارات والبيانات المالية بصورة واضحة وفي متناول الجميع؟

 

بعد كل ما خسرناه، لم يعد مقبولاً أن نتعامل مع الشفافية وكأنّها تفصيل إداري أو مطلب ثانوي. إنّها خط الدفاع الأول عن المال العام، والشرط الذي يسمح للمواطن بمراقبة دولته ومحاسبتها.

الشفافية المطلقة ليست مطلباً تجميلياً بعد الانهيار؛ إنّها أحد شروط منع الانهيار المقبل.

الأكثر قراءة