«لا تقلقوا. نحن نصنع لاعبي كرة القدم هنا، وقد جنَينا 200 مليون يورو هذا الصيف». كانت هذه الرسالة التي وجّهتها إدارة أكاديمية ريال مدريد إلى ممثلي اللاعبين، خلال الاجتماعات التي عُقدت في الأشهر الأخيرة. فقد أصبحت أكاديمية ريال مدريد، المعروفة باسم La Fabrica، أي «المصنع»، واحدة من أكثر الأكاديميات إنتاجاً للاعبين الذين يشقّون طريقهم إلى عالم كرة القدم الاحترافية على مستوى الفريق الأول. ووفقاً لبيانات مرصد CIES لكرة القدم الصادرة في تشرين الأول 2025، كان ما يصل إلى 58 لاعباً تلقّوا تكوينهم في ريال مدريد يشاركون في دوريات احترافية، ضمن 49 دورياً شملتها الدراسة.
الحصاد من إيطاليا إلى إنكلترا
هذا الصيف استفاد ريال من انتقال أكثر من 12 لاعباً من خرّيجي «لا فابريكا»، محققاً إيرادات من رسوم الانتقالات بلغت نحو 215 مليون يورو (رقم قياسي للنادي). ويشمل ذلك إعادة التفاوض على صفقة نيكو باز مع كومو (حصل بموجبها على 60 مليون يورو)، فضلاً عن 50 مليون يورو دفعها فولهام مقابل المهاجم غونزالو غارسيا ولاعب الوسط سيزار بالاسيوس. كما حصل مدريد على 20 مليون يورو من ليفربول مقابل الجناح فيكتور مونيوز، الذي انضمّ إلى أوساسونا مقابل 40 مليون يورو، مع احتفاظ ريال مدريد ببند يمنحه 50% من قيمة إعادة البيع.
وفي حالات أخرى، استفاد مدريد من بنود إعادة البيع التي أُدرجت في عقود انتقال خرّيجي الأكاديمية إلى أندية أخرى. فقد انضمّ لاعب الارتكاز تشيما أندريس إلى برايتون قادماً من شتوتغارت مقابل 23 مليون يورو، وحصل ريال مدريد على 11,5 مليون يورو من الصفقة. كذلك، انتقل المهاجم ألفارو رودريغيز إلى بورنموث قادماً من خيتافي مقابل 25 مليون يورو، وحصل ريال مدريد مجدداً على نصف قيمة الصفقة.
وساهمت هذه المبيعات في تمويل عملية إعادة بناء الفريق، فكان الجناح يان ديوماندِه أبرز صفقات الوافدين، قادماً من لايبزيغ مقابل 140 مليون يورو.
الصفقة - الدهشة
لكنّ إحدى الصفقات التي شهدت رحيل لاعب أثارت الدهشة في فالديبيباس، مقر التدريبات والأكاديمية. وتشير المصادر إلى أنّ بيع ياكوبو أورتيغا (20 عاماً) كان الصفقة الأكثر إثارة للاستغراب. إذ دفع ستراسبورغ 10 ملايين يورو مقابل المهاجم الذي لم يظهر مع الفريق الأول، كما أنّ مشاركاته مع كاستيا، الفريق الرديف، كانت محدودة للغاية، إذ بدأ الموسم الماضي مع الفريق الثالث.
في 19 أيلول، فاز ريال مدريد بكأس إنتركونتيننتال تحت 20 عاماً للمرّة الأولى، بانتصاره 3-1 على سانتياغو واندررز التشيلي. وكان الفريق الذي يقوده ألفارو لوبيز قد فاز في نيسان بنهائي دوري أبطال أوروبا لما دون 19 عاماً، بعدما تغلّب على كلوب بروج. فهذه الإنجازات غيّرت الطريقة التي تنظر بها الأندية الأخرى إلى اللاعبين الصاعدين من أكاديمية ريال مدريد.
كما ساهم قرار المدرب السابق ألفارو أربيلوا منح هؤلاء اللاعبين ثقته خلال الموسم الماضي في تحقيق ذلك. فبعد تولّيه المسؤولية خلفاً لتشابي ألونسو في كانون الثاني، أتاح لعدد من لاعبي الأكاديمية فرصاً للانضمام إلى تشكيلة الفريق الأول، بعدما أشرف على تدريب كاستيا خلال النصف الأول من الموسم، وقضى 4 سنوات مع فريق تحت 19 عاماً.
ما هو السبب الجوهري
لكنّ مبيعات لاعبي الأكاديمية لا يمكن تفسيرها ببساطة من خلال موسم ناجح واحد. فالسبب الجوهري يكمن في النموذج المعتمد. إذ صُمِّمت «لا فابريكا» أساساً لتخريج لاعبين محترفين، وليس لإعداد لاعبين للفريق الأول تحديداً. وهذا فارق مهمّ، إذ إنّ عدد الأماكن المتاحة في تشكيلة الفريق الأول محدود، ولا سيما في المراكز المتقدّمة.
كذلك، لا تعتمد الأكاديمية أسلوب لعب ثابتاً. فمنذ فئة تحت 12 عاماً، يُطوَّر اللاعبون ليصبحوا قادرين على التأقلم مع مختلف الظروف، فيما يتزايد الاعتماد على برامج إعداد فردية مدعومة بالتكنولوجيا، من خلال تحليل مقاطع الفيديو واستخدام أجهزة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية (GPS) لمراقبة الأحمال البدنية.
وخلال الموسمَين الماضيَين، تمكّن لاعبان من الأكاديمية من تثبيت أقدامهما في الفريق الأول، وإن لم يتحوَّلا إلى عنصرَين أساسيَّين بصورة منتظمة، وهما قلب الدفاع راؤول أسينسيو ولاعب الوسط الهجومي تياغو بيتارش.
في المقابل، رسم المدير العام للنادي، خوسيه أنخيل سانشيز، ملامح المسار الذي يسلكه اللاعبون عند مغادرة الأكاديمية. فبدلاً من إعارة اللاعبين إلى أندية أخرى، بات ريال يفضّل بيعهم مع الاحتفاظ ببند يمنحه حصة من قيمة إعادة بيعهم، تكون عادةً بنسبة 50%. ويأتي ذلك في وقت لا تسمح فيه لوائح الدوري الإسباني سوى بـ6 إعارات موقتة، بالإضافة إلى 6 إعارات أخرى إلى أندية في بلدان مختلفة.
وهناك عامل آخر وراء هذه الأرقام، بحسب مصادر في فالديبيباس، يتمثل في ازدياد عدد الأندية المستعدة والقادرة على استثمار مبالغ كبيرة في اللاعبين الشباب.
وبحسب مصادر، كان بإمكان ريال مدريد المضي أبعد من ذلك، وبيع عدد أكبر بكثير من لاعبي ريال مدريد كاستيا. لكنّه اختار الاحتفاظ باللاعبين المنتمين إلى الجيل المولود عام 2007، الذي يحظى بتقدير كبير. وتقوم الفكرة على ضمّ أفضل اللاعبين الشباب من الأندية الإسبانية الأخرى، ثم نقلهم بسرعة بين الفئات العمرية، كلّما استدعت مستوياتهم الفنية ذلك. وهو نموذج يشبه إلى حدّ ما النموذج الذي يعتمده برشلونة.