الكتاب يُقرأ من عنوانه
عمر الصلح
Tuesday, 13-Oct-2026 07:26

لم أقرأ رواية «بيجو 504» للزميل عفيف دياب بعد، لكن مجرّد معرفتي بعنوانها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في إطار حملات الإعلان لحفل التوقيع ضمن فعاليات معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، أدركت أنّ عفيف «العفيف» فعلها. نعم فعلها، وسرق جزءاً من ذاكرة مخفية في مسيرة جيل كامل، ذلك الجيل الذي يعرف جيداً الرمزية المأساوية لسيارة البيجو 504، فهو استخدمها كوسيلة نزوح في الحروب والاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على لبنان، ولمع نجمها أيضاً خلال حروبنا الأهلية المشؤومة، فصوَّرها على صفحات الصحف والمجلات عند حواجز الميليشيات المختلفة.

طبعت ألف انتكاسة وانتكاسة في ذاكرتنا، كما وترسخت البيجو كابوساً في عقول ووجدان أبناء جيلنا، بعد أن أصبحت أحد أهم وأبرز أدوات الرعب لجهاز الأمن السوري.

 

عنوان الزميل عفيف دياب أيقظ في داخلي ذلك الجزء الذي لطالما حاولت الهروب من كوابيسه، وسعيت إلى دفنه في زوايا العقل الباطني إلى غير رجعة، تخلّيت عن ذاكرة امتدّت لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، وكنت شديد الحرص على عدم المرور بقرب ذلك الضريح المدفون في أعماقي خوفاً من أن تشعل ذكراه في داخلي نيران ثورة على الذات، قد تأتي على الأخضر واليابس بما تبقّى من الذات.

 

اللقاءات مع الزميل عفيف دياب نادرة جداً، ويصح فيها القول «زوروني كل سنة مرّة»، وأصبحت أكثر ندرة بعد دخول البلاد في مخاض التحوُّلات عام 2019. ومنذ ذلك الحين وإلى يومنا هذا، التقينا ثلاث مرّات على ما أعتقد. دردشة سريعة على هامش العمل في وسط بيروت خلال التظاهرات، وأخرى في ساحة الشهداء خلال تجمُّع لا أذكر أسبابه، وسهرة يتيمة استمرّت لساعات طويلة في زواريب شارع الحمرا منذ أربع سنوات أو ربما أكثر. وعلى الرغم من ندرة اللقاءات بيننا، إلّا أنّ شعوراً خارج نطاق الوعي يدفعني لليقين بأنني أعرف عفيف بعمق.

 

نعم، لم أطلع بعد على مضمون الرواية، لكنّ اختيار عفيف دياب «بيجو 504» عنواناً لروايته لا يمكن أن يكون من باب الصدفة، فمَن مِن أبناء جيلنا لا يدرك أهمية البيجو كأحدث سيارة يوم كنا لا نحلم بامتلاك سيارة، فعقولنا وقلوبنا كانت حينها تمتلئ بأحلام كبيرة تمتد إلى زوايا القارات الخمس، ليتبيَّن لنا في ما بعد أنّ ما ضجّت به أفكارنا لا يتعدّى حلم اليقظة. نعم أشبعنا أنفسنا خيالاً لا نستطيع ترجمته واقعاً، وما أن صحونا من نوبة أحلام اليقظة، حتى أدركنا أنّ طموحاتنا لم تكن أكثر من شحنة هواء في عجلات سيارة بيجو أكل الدهر عليها وشرب.

 

لا يمكن الحكم على الرواية قبل قراءتها، لكن للأسف، فإنّ مشاهد النزوح التي نشأنا عليها يا صديقي لم تتغيّر حتى يومنا هذا، والمتغيِّر الوحيد هو استبدال سيارة بيجو بوسيلة نقل حديثة رباعية الدفع صُنعت خارج حدود الوطن، ولبناننا يا صديقي لا يزال «مبنشر»، بانتظار سيارة من صنع الخارج أيضاً، لتضعه على مسار يصعب على أي كاتب روائي التنبّؤ بنهاياته.

الأكثر قراءة