التربية الاقتصادية: قراءة تأسيسية
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Wednesday, 14-Oct-2026 07:36

... وبَعْدُ فإنّ التربية الاقتصادية ليست إلّا عملية منظّمة، تهدف إلى غرس المفاهيم ذات الطابع الاقتصادي-المالي في نفوس الأفراد؛ الكبير منهم والصغير على حدّ سواء. وما ذلك إلّا لتمكينهم من اتخاذ قرارات واعية وناضجة ومسؤولة؛ ضماناً لاستقرار أحوالهم المادية وانتظام معيشتهم اليومية. ولك أن تزيد على هذا، أنّ الغاية من وراء تلك العملية لا تكمن بالضرورة في تعليمهم كيفية كسب المال فقط، وإنما – كذلك - كشف اللثام عن سبل استثماره و/أو ادخاره عن دراية وهداية.

والناس على ما هو شائع ورائج، مختلفون في نظرتهم إلى مناهج الاقتصاد عامة: فذهب ذاهبون إلى أنّ المبدأ العام الذي يقوم به الاقتصاد ويتكئ عليه بسلام، ما هو إلّا الملكية الخاصة. وفي ذلك إشارة جلية من غير لبس أو غموض إلى الرأسمالية الاقتصادية. وبالمقابل، سار سائرون في ركب من يرى في الملكية الاشتراكية المبدأ السليم للاقتصاد، من دون عوج ولا انحناء. واعلم، أنّه لا يخلو مَن كان هذا أو ذاك رأيه من مؤازرة الصواب حيناً ومجانبته حيناً آخر. واعلم ثانية، أنّ التفصيل فيما سقناه إليك للتَّو، ليس هدفنا في هذه العجالة السريعة، ذلك أننا بصدد الإضاءة على جملة من القواعد الأساسية للتربية الاقتصادية ليس إلّا. ولك علينا أن نختصرها في أربع:

 

القاعدة الأولى

وضابطها والقائم على أمرها استثمار الموارد، حتى إذا عُرف بعضُ ما يُكشف عن فوائده والوقوف على سعة عوائده، تمكننا من تحقيق المكاسب وزيادة الأرباح باطراد. وهذا من المتعارف عليه والمستقر بثبات في عادات أرباب المال والأعمال. ولا فرق بين استثمار في مجال ذي مردود أو مؤونة مستقبلية قريبة أو بعيدة؛ إذ إنّ المهم هو سلوك الطريق الذي يؤدّي إلى نتيجة مُرضية وفق مقتضى الحال، بغية إصابة الخير الكثير والزاد الوفير. ومعلوم على نطاق واسع، أنّ المكانة الرفيعة للاستثمار في اقتصاد هذه الدولة أو تلك، لا بدّ تساهم في زيادة النمو الاقتصادي والقوّة التنافسية وتقليل الديون وتحسين مستوى المعيشة.

 

القاعدة الثانية

ومن نظائرها ترشيد الإنفاق؛ بمعنى امتلاك وعي استهلاكي سليم ومعافى من أي شطط أو تجاوز، للحدّ في صرف الأموال وتبديدها في غير مواضعها ومن دون طائل. وحتى إذا ما سلك الفرد طريق الإنفاق باعتدال، وتجنَّب الهدر في ما لا يفيد وينفع، وأصبح ذلك سلوكاً يومياً مستداماً، تحقق لديه الاستقرار المالي وأَمِنَ من الأزمات المفاجئة وزادت لديه مخصَّصات الطوارئ؛ خشية أن تلتبس عليه مسالك الفائدة ودروب النفع. وممّا يشهد على ذلك ويُبَيِّنُه، التطبيق العملي على أرض الواقع، وما يجري مجراه من المشاهدات والمحسوسات. والقول في هذا، ألّا يبقى الأمر محصوراً بمنظومة من القيم الجامدة والمعارف الشكلية.

 

القاعدة الثالثة

ومدار أمرها على الاستهلاك الواعي المحكوم بدوره، بالحاجات من جهة والوفرة المادية من جهة ثانية؛ فالحاجات تتفاضل في ما بينها، من حيث هي ملحّة إلحاحاً شديداً أو أقل من ذلك بنسب معينة. كما أنّ الوفرة المادية لا تبقى على هيئة ثابتة في كل الأحوال والظروف. وعليه، لا بدّ أن تقاس الحاجات التي لا تقبل التأجيل بما يتناغم معها من المال المدَّخر؛ شريطة أن يُصمَّم المقياس على منوال الدرجة في الأهمية والرغبة الحالية والتدبر المشهود له! من هنا، فإنّ الحكمة في هذا النوع من الاستهلاك مطلوبة على الدوام، لأجل الحفاظ على جودة الحياة والرفاهية التي تؤنس إلى حدّ القناعة والرضا.

 

القاعدة الرابعة

ولا تنتظم هذه القاعدة إلّا على التخطيط الذي تُرى فيه المزية في نظم بنوده وحسن ترابطها ببعضها، على سلم أولويات - ممّا نَدَرَ منه ولطف مأخذه - مدروس بعناية ورشاد! على أن يكون حالك في هذا الشأن، حال الباني الماهر الذي تضع يمينه ههنا ما يوازي ما تضعه يساره هناك. وهذا، لأنّ التخطيط عينه هو الركيزة المضمونة لتحقيق تربية اقتصادية ذات جدوى. ثم إنك تحتاج بلا ريب، إلى أن تَسْتَقْرِيَ عدة نماذج درج على اتباعها وتمسك بها، غير حساس متفهّم لجوهر التخطيط، بصير عارف بسرّه في ميدان الاقتصاد عامة والتربية الاقتصادية خصوصاً.

الأكثر قراءة