الفجوة في الذكاء الاصطناعي: دول العالم الثالث نموذجاً
الفجوة في الذكاء الاصطناعي: دول العالم الثالث نموذجاً
د. عباس حمزة حمادي
أستاذ الدراسات العليا في الجامعة اللبنانية
Monday, 30-Mar-2026 06:51

إنَّ ما هو في حُكم الثابت والمؤكَّد، أنّ الولايات المتحدة الأميركية والصين وحدهما تسيطران على مستقبل الذكاء الاصطناعي، وإن بنسب أو مقادير معيَّنة لكل منهما؛ لا فرق. وعليه، تَحْسب أنّ بينهما قرابة شديدة ونسباً لاصقاً بهما في هذا المجال على وجه التحديد والدقة. وهذا ما يتجلّى في ناحية من الأنحاء، من خلال استحواذهما على %90 من قوّة الحَوسبة العالمية أو ما يزيد عن ذلك قليلاً أو كثيراً، لتجد أنّ سيادة التكنولوجيا مطواعة لديهما ليِّنة بين كفَّيهما! ما أتاح لهما احتضان القدر الوافر والغزير، من استثمارات الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم؛ فاعرف ذلك.

واعلم في المقابل، أنّ حال دول العالم الثالث هذه الأيام، في ما يفضي إلى الحديث عن الثورات الذكية (Smart Revolutions)، ليست هي (الحال) ذاتها زمن الطفرة التكنو-رقمية بالتأكيد؛ أي زمن ثورة المعلومات والاتصالات أو الثورة الصناعية الثالثة (1975-2021)! إذ كانت الآلات المحوسبة في ذلك الوقت، قادرة على القيام ببعض التطبيقات إلى حدٍّ ما؛ كتخزين البيانات ومن ثم معالجتها بالقراءة المتأنّية والتحليل، لفائدة إخراجها على هيئة معلومات مفيدة، بعد أن كانت مجرّد أرقام منثورة بلا سَمْت واضح ومبدَّدة في كل اتجاه وزاوية. لكنّ كل ذلك وما دار في فلكه من قريب أو بعيد، كان خاضعاً ومرهوناً بالأوامر والإرشادات والتعليمات البرمجية وقدر محدَّد من الأتمتة (Automatization)، التي لم ترقَ إلى مصاف الأتمتة الذكية ذات الصيت المشاع اليوم.

 

أمّا في زمن الذكاء الاصطناعي الآخذ بالبَسْط والتوسع حالياً، فإنّك ترى هذه الدول (دول العالم الثالث) بأم العَين ومن غير تشويش أو غشاوة، ترزح تحت عبء التبعية التكنولوجية أو قل إنّها محاصرة بمجموعة من الأفخاخ الاستراتيجية التي ما إن تدوس على أحدها، حتى تنقلب الأمور رأساً على عقب وتبدأ إضمامات من المشكلات بالظهور إلى العلن، من قبيل عدم المساواة بين الدول بسبب اتساع الفجوات في غير مجال حيوي؛ التنمية الاقتصادية والعدالة السوسيو-رقمية كمثالَين لا يجحدهما جاحد. وهكذا، تظهر حقبة جديدة من أوضاع متباينة وغير متكافئة في جوانب حياتية تعدّ ولا تُحصى، في تجاوزها حدود الزمان والمكان!

 

وعليه، وبمقارنة بسيطة مختصرة وميسّرة لا تعقيد فيها، نجد أنّ الاستعداد أو الجاهزية الرقمية متفاوتة بشكل ظاهر بجلاء، بين الدول المتقدّمة التي تستثمر مبالغ ذات قيمة رفيعة، تُؤدَّى بالكامل لوجه غايتها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ودول العالم الثالث التي ما زالت تتلمَّس بداية الطريق أو تكاد. وإذا كان ذلك كذلك، فإنّ تهميش هذه الأخيرة بات أمراً واقعاً حتماً ولا جدال في وقوعه؛ تمهيداً لتنحِيتها جانباً واستبعادها من المساهمة ولو باستحياء وعلى نحو خجول، في عالم تُغيِّره أنظمة الذكاء الاصطناعي.

 

وعجبت حقاً أشدّ العجب، من إحجام تلك الدول عن القيام بأي مبادرة لفائدة تخصيص بعض الموارد الاقتصادية وتفعيل القدرات الحكومية في أكثر من ميدان، لأجل رصد رأس مال وازن لا يخف ميزانه مهما تبدّلت الظروف والأحوال، فيُرجى بمعيّته تشييد قدرات حاسوبية ضرورية ولازمة؛ تمهيداً لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي خاصة بها منفردة. وهذا، لا يتعدّى إمكانية توسعة نفوذ الخبراء والمهتمّين ذوي الصلة بمناخات الذكاء الاصطناعي بسبب أو بغير سبب، وتهيئة أدوات سياسية قادرة على توجيه مسار تطوير الذكاء الاصطناعي المحلي وضبط تبعاته؛ قِبال فقدان الوظائف وبروز الاضطرابات المجتمعية الناشئة عن لاعدالة اجتماعية! في امتلاك وسائل النفاذ (Access) إلى المنصات الذكية من جانب الأفراد.

theme::common.loader_icon