خلف المرمى الذي حُسِمَت عنده ركلات الترجيح، رفع مشجّعو البوسنة والهرسك لوحة ضخمة تُجسّد تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة. الرسالة كانت واضحة: هم ذاهبون إلى كأس العالم. في المقابل، وقف لاعبو إيطاليا في منتصف الملعب، مشتَّتين، يواسي بعضهم بعضاً وسط دموع لا يمكن إخفاؤها، بينما يحتفل الجميع من حولهم.
أقرّ ليوناردو سبيناتزولا باكياً: «إنّه كابوس. 9 سنوات مع المنتخب ولم ألعب في كأس العالم. إنّه أمر مؤلم لنا ولإيطاليا». الصمت خيَّم على بقية اللاعبين، بمَن فيهم القائد جانلويجي دوناروما، الغارقين بين الغضب والحزن، خصوصاً تجاه قرارات الحكم كليمان توربان، الذي أدار أيضاً مباراة الخروج أمام مقدونيا الشمالية في 2022.
تحت وطأة الأسئلة، عضّ جينارو غاتوزو على شفته السفلى. بدا ذلك وكأنّه آلية للتكيُّف في لحظة ضيق. واعتذر لـ500 مشجَّع سافروا إلى زينيتسا وللملايين الذين تابعوا في الوطن. أقرّ: «الأمر مؤلم»، وهو يحتاج إلى لحظة لالتقاط أنفاسه. وشكر الكالابري لاعبيه مؤكّداً اعتقاده الراسخ أنّهم كانوا يستحقون الأفضل: «مرّت سنوات منذ أن رأيتُ المنتخب يلعب بهذا القدر من القلب». وكان لديه بعض الندم. الأول: طرد أليساندرو باستوني قبل نهاية الشوط الأول. والثاني: الفرصة التي أهدرها مويز كين لجعل النتيجة 2-0 على رغم من اللعب بعشرة لاعبين.
أول بطل يغيب 3 مرات متتالية
لحظات كهذه هي السبب في أنّ إيطاليا أصبحت أول بطل سابق يغيب عن 3 نسخ متتالية من كأس العالم. لحظات غالباً ما تُنسى في السرد الأشمل والأكثر عمومية لتراجع كرة القدم الإيطالية. فعلى سبيل المثال، في عام 2017، لم يغتنم اللاعبون والاتحاد الإيطالي لكرة القدم (FIGC) لحظتهم. كان ينبغي لهم أن يتبعوا حدسهم ويقودوا تمرُّداً لإقالة جيان بييرو فينتورا غير الكفء من منصبه كمدرب بين مباراتَي الذهاب والإياب في الملحق أمام السويد. وفي عام 2022، كانت ركلات الجزاء التي أهدرها جورجينيو أمام سويسرا ذهاباً وإياباً هي الفارق بين التأهل المباشر وعدمه. وبعبارة أخرى، كانت هناك هوامش دقيقة ومجموعة من الظروف الخاصة بكل إخفاق.
داخل غرفة الصحافة الضيّقة في ملعب «بيلينو بوليي»، جلس غاتوزو، ورئيس الاتحاد الإيطالي غابرييلي غرافينا، ورئيس الوفد جيجي بوفون، وهم يدركون أنّهم سيواجهون دعوات للاستقالة الجماعية. كان بوفون يرتدي تعبيراً مؤلماً على وجهه. فقد كان في المرمى أمام السويد قبل 9 سنوات عندما انحرفت تسديدة خاطفة لياكوب يوهانسون بشكل جنوني بعد أن اصطدمت بدانييلي دي روسي. كانت تلك بداية صدمة إيطاليا بعدم التأهل إلى كأس العالم. وتصحيح ذلك يعني له الكثير، كإيطالي فخور وكأكثر لاعبي بلاده مشاركة عبر التاريخ.
بوفون مسؤول
كان بوفون هو مَن اختار غاتوزو في الصيف الماضي، على رغم من أنّ زميله السابق قضى عاماً يعمل في البلقان مع هايدوك سبليت. ولم يمنح ذلك الجميع الثقة في قدرته على النجاح، إذ فشل الآخرون في قيادة إيطاليا إلى كأس العالم.
أوضح بوفون: «نحن سعداء لأنّكم لاحظتم أنّ الأمور تتحسن. لكنّ هدفنا الرئيسي كان التأهل إلى كأس العالم». وبوضوح، أكّد أنّ الاتحاد لن يتسرَّع في الحُكم بشأن ما يجب فعله لاحقاً: «ينتهي الموسم في حزيران، وحتى ذلك الحين أعتقد أنّه من الصواب أن أواصل أداء واجباتي تجاه الاتحاد والرئيس».
لم يستقل أحد. وكان ذلك مصدر استياء في إيطاليا. فغرافينا، رئيس الاتحاد، لم يستقل بعد الهزيمة أمام مقدونيا الشمالية في 2022 أو بعد الأداء الباهت أمام سويسرا في يورو 2024 عندما خسروا 2-0 في دور الـ16. وباعتباره القاسم المشترك، لا يفهم منتقدوه كيف يمكن لإيطاليا كسر هذه الحلقة بينما لا يزال في موقعه.
بدلاً من التركيز على النتيجة، أثنى غرافينا على أداء اللاعبين: «غاتوزو وصفهم بالأبطال». لعبت إيطاليا لأكثر من 90 دقيقة وهي في وضعية دفاعية تحت ظلال الأبراج السكنية ذات الطراز السوفياتي المطلة على بيلينو بوليي. وكان يمكن أن تنهار بعد طرد باستوني وهدف التعادل الذي سجّله هاريس تاباكوفيتش، لكنّها وصلت إلى ركلات الترجيح، وتأمّلت أن يرتقي دوناروما إلى المستوى الذي قدّمه في ركلات الترجيح التي حسمت يورو 2021، بعدما تصدّى لأكثر من 10 تسديدات.
دونارونا وإنجاز منقوص
قضى دوناروما جزءاً كبيراً من الشوط الثاني من الوقت الإضافي وهو يجادل الحكم الرابع بسبب عدم طرد طارق موهاريموفيتش، إثر تدخُّل على ماركو باليسترا على حافة منطقة الجزاء. ولا يُعرَف إلى أي مدى كان قرار مختلف سيُغيِّر الأمور. كل ما نعرفه هو أنّ بيو إسبوزيتو، الذي أظهر شجاعة كبيرة عندما تقدَّم لتنفيذ ركلة الجزاء الأولى لإيطاليا، وبريان كريستانتي، قد أهدرا من نقطة الجزاء. وهذه تفاصيل إضافية في سقوط إيطاليا، قد يستشهد بها غرافينا لدعم حجة أنّ إيطاليا كانت على بُعد ركلتَين فقط من تأهل ملحمي في البوسنة.
وأضاف: «غاتوزو مدرب عظيم. طلبت منه البقاء، هو وبوفون». قد يُنظر إلى ذلك على أنّه صبر من البعض، لكنّه يُعدّ تردُّداً من آخرين. فالاستمرارية ليست إجابة مقنعة في الوقت الراهن، ليس في ما يعترف به غرافينا بأنّه «وقت أزمة كبيرة».
وعلى رغم من الأجواء العدائية في زينيتسا، اتبع مشجّعو البوسنة قائدهم إدين دزيكو في التصفيق للنشيد الوطني الإيطالي قبل انطلاق المباراة. وكان دزيكو قد طلب منهم ذلك لأنّ إيطاليا كانت أول منتخب يلعب في العاصمة سراييفو بعد الحرب البوسنية قبل 30 عاماً. وبعد المباراة، سأل صحافي بوسني غاتوزو، باعتباره صديقاً لإيطاليا منذ تلك المباراة الودية في عام 1996، لماذا لم تعُد إيطاليا قادرة على التأهل إلى كأس العالم. فأجاب غاتوزو بأنّ هناك مَن هم أكثر أهلية منه للإجابة. ومرّة أخرى، لم يُلهم ذلك الثقة.