إذا كنتَ ستختار مباراة لتخوضها بعد خسارة بنتيجة 4-0 أمام مانشستر سيتي، فلن تكون بالتأكيد رحلة إلى فرنسا لمواجهة بطل أوروبا المدافِع عن لقبه، باريس سان جيرمان. ومع ذلك، فهذا هو التحدّي الذي ينتظر المدرب الهولندي أرنيه سلوت ولاعبيه، بينما يسعون للعودة بعد أحدث انتكاسة لهم هذا الموسم، والحفاظ على آمالهم في الفوز بدوري أبطال أوروبا. وحتى لو كان ليفربول في قمة مستواه، فإنّ الرحلة إلى ملعب «بارك دي برانس» ستكون محفوفة بشيء من القلق بسبب جودة الخصم.
أمّا بالنسبة إلى المشجّعين الذين تابعوا هذه النسخة من ليفربول، فهناك خوف ليس فقط من الهزيمة، بل من تكرار 90 دقيقة مشابهة لتلك التي شاهدوها في ملعب «الاتحاد». فريق لويس إنريكي أحرج تشلسي بنتيجة 8-2 في مجموع المباراتَين، فكيف يمكن لليفربول الذي يفتقر إلى الثقة أن يتجنّب مصيراً مشابهاً؟ وهل يمكن أن يُقدِّم الموسم الماضي أي مؤشرات؟
كان فريق سلوت في وضع أفضل بكثير عندما سافر إلى فرنسا قبل 13 شهراً خلال ثمن النهائي. عاد بتقدُّم بهدف واحد، لكن لا توجد خطة واضحة يمكن تكرارها. كانت مباراة تُجسّد عبارة “اضرب واهرب” بكل معنى الكلمة.
هدف هارفي إليوت في الدقيقة 87 العام الماضي، كان فقط التسديدة الثانية لليفربول في اللقاء (بلغت قيمة الأهداف المتوقعة للفريق 0,27)، وكانت الأولى على المرمى. في المقابل، سدِّد باريس 27 محاولة (بإجمالي أهداف متوقعة بلغ 1,78) تصدّى أليسون لـ9 منها. وإذا سارت المباراة على نسق مشابه، فإنّ نتيجة مختلفة وأكثر إيلاماً تبدو شبه مؤكّدة.
نقطة البداية المهمّة ستكون عدم نسيان الأساسيات، ممّا شكّل سمة مقلقة هذا الموسم. فأوضح سلوت بعد الخسارة أمام سيتي: «هذه ليست قصة المباراة بأكملها، لكن في كل مرّة ننسى إيقاف عرضية، ننسى الدفاع أمام المرمى، ننسى ملاحقة لاعب منطلق. في كل مرّة يكون الهدف».
تائهون أمام سيتي
على رغم من أنّ أول 35 دقيقة أمام سيتي قدّمت مؤشرات مشجّعة إلى أنّ خطة 4-2-2-2 يمكن أن تنجح من خلال توفير تهديد هجومي وقاعدة دفاعية صلبة، فإنّ الأداء بعد التأخُّر في النتيجة كان غير مقبول. الأهداف الثلاثة التي تلت ركلة جزاء إيرلينغ هالاند، أظهرت سلبية ليفربول، وأحياناً غياب الرغبة.
الهدف الثاني لسيتي، الذي أنهى المباراة فعلياً، جسّد الأمرَين معاً. في الدقيقة الأخيرة من الشوط الأول، خسر ليفربول الكرة من رمية تماس، وافتقر إلى أي عدوانية في محاولة إيقاف هجوم سيتي.
كان فلوريان فيرتز مفرطاً في الاندفاع في الضغط الأولي، ثم افتقر إلى السرعة في المساندة لمعادلة التفوُّق العددي لسيتي في الجهة اليمنى، بينما لم يتحرَّك أي من كيرتس جونز أو رايان غرافنبرخ للتغطية. ميلوش كيركيز، الذي يستحق التعاطف لوجوده في موقف ثلاثة ضدّ واحد، وفيرجيل فان دايك افتقرا إلى الحدّة، فيما تغلّب تحرُّك هالاند على إبراهيما كوناتي.
الهدف الثالث، مجدَّداً من رمية تماس، شهد تمريرة مباشرة من جو غوميز إلى مارك غيهي. كان ردّ فعل ليفربول بطيئاً تجاه التحوُّل السريع في الاستحواذ، وبدأ ضغطه العكسي متأخَّراً جداً. تقدَّم غرافنبرخ، تاركاً مساحة لريان شرقي لاستلام الكرة وتمريرها إلى أنطوان سيمينيو.
وبعد 7 دقائق، سجّل سيتي هدفه الرابع عندما مرّر نيكو أورايلي عرضية لهالاند ليسجّل بسهولة ويكمل ثلاثيّته. خلال بناء الهجمة، تجاوز أورايلي دومينيك سوبوسلاي وغوميز. تمريرة جيريمي دوكو بين كوناتي وغوميز لإيجاد أورايلي كانت ذكية لكنّها قابلة للتفادي.
غياب الانضباط
الانضباط الدفاعي هو ما افتقده ليفربول مراراً خلال 90 دقيقة. الذهنية غير متوازنة، مع تفكير عدد كبير من اللاعبين في الهجوم بدلاً من استباق الخطر. تحرُّكات «اللاعب الثالث» غير المراقبة كلّفتهم أمام سيتي، ومواجهة هجوم باريس الأسرع والأكثر سلاسة ستطرح تحدِّيات أكبر.
وأقرّ سوبوسلاي: «لم تكن الروح القتالية حاضرة بما يكفي، ولم تكن العقلية كذلك. بصراحة، لم يكن أي منّا في مستواه كما يجب». المباريات التي نجح فيها فريق سلوت بالحفاظ على تماسك دفاعي هذا الموسم جاءت في الغالب في دوري الأبطال، خلال انتصارات على ريال مدريد، إنتر ميلان، مارسيليا وغلطة سراي.
تكرار هذا النوع من الأداء غير قابل للتفاوض. وإذا توفّر الالتزام، ومع عدم وصول باريس إلى مستويات الموسم الماضي، فهناك مناطق يمكن لليفربول استهدافها.
إنّ مفتاح إرباك فريق إنريكي أثناء الاستحواذ هو التحلّي بالشجاعة والضغط العالي. نظرياً، هذا ما يُريده سلوت، لكن عملياً هذا الموسم، بسبب العناصر والجاهزية وأحياناً الهيكلية، افتقر ضغطه العالي إلى الشدّة والعدوانية والذكاء التي ميّزته في السنوات السابقة. بطل أوروبا يمتلك لاعبين في الخط الأمامي قادرين على صناعة لحظات سحرية، لكن عندما واجه فرقاً تعتمد على التكتُّل الدفاعي المنخفض، واجه صعوبة في اختراقه.
بعد الفوز 1-0 على ريال مدريد في مرحلة الدوري، شرح سلوت كيف أعدّ فريقه: «قلتُ للاعبين إنّني أريدهم إمّا أن يضغطوا عالياً جداً أو يتراجعوا إلى كتلة دفاعية منخفضة، لأنّ فينيسيوس (جونيور) و(كيليان) مبابي لاعبان مذهلان، لكنّ انطلاقاتهما العميقة وتوقيتها وسرعتهما في مستوى مختلف. لذا، لا تتركوا أي مساحة خلفكم، وهذا ما قامت به خطوطنا الخلفية بشكل جيد للغاية».
على رغم من أنّ مباراة سيتي كانت قد حُسمت بالفعل عند هذه المرحلة، فإنّ ليفربول لا يمكنه تحمُّل أن يبدو خط وسطه بهذا الشكل. يجب عليه أن يشكّل تهديداً بدوره. في أول 35 دقيقة أمام سيتي، وجد التوازن بين الفاعلية الهجومية وتقليل فرص المنافس، لكن ذلك لم يستمر.