عقيدة اللحم: من الغذاء إلى الأيديولوجيا
عقيدة اللحم: من الغذاء إلى الأيديولوجيا
جريدة الجمهورية
Thursday, 09-Apr-2026 07:45

لم يَعُد اللحم مجرّد مصدر بروتين، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه العقيدة. فمع تزايد استهلاك لحوم الأبقار في الولايات المتحدة، وبلوغ مبيعاتها عشرات المليارات، لم يعُد الإقبال عليها مسألة ذَوق فقط، بل انعكاساً لتحوّل ثقافي وصحي أوسع. حتى شخصيات سياسية مثل روبرت كينيدي الابن، باتت تُروِّج لنمط غذائي يقوم أساساً على اللحم، معتبرةً أنّه مفتاح للصحة الجسدية والذهنية.

بعد عقود من اتهام اللحوم الحمراء بالتسبُّب بأمراض القلب، عادت لتُقدَّم في بعض الأوساط كعلاج شبه شامل. المستهلكون اليوم لا ينظرون إليها كوجبة فقط، بل كمصدر للطاقة وبناء العضلات وتعزيز الحيوية.

كينيدي نفسه يربط بين نظامه القائم على «اللحم والمخمّرات» وبين صفاء ذهنه وتحسّن ذاكرته، وقد انعكس ذلك على سياساته، إذ وضع البروتين الحيواني في قلب الهرم الغذائي الجديد.

 

اللحم علاج لأمراض مزمنة؟

على الإنترنت، يذهب مؤثرون أبعد من ذلك، إذ يروِّجون لمزاعم عن قدرة الأنظمة المعتمدة على اللحم في علاج السكّري والأمراض المناعية وحتى تحسين الصحة النفسية. من بينهم جو روغن، الذي لفت إلى أنّ اعتماده على اللحم ساعده في التخفيف من حالة جلدية مزمنة. لكن هذه الادّعاءات، في كثير من الأحيان، أقرب إلى المعتقدات منها إلى العلم. بعض هؤلاء المؤثرين يتبنّون مواقف متطرِّفة، مثل بول سالادينو الذي يعتقد أنّ الإنسان لا يحتاج حتى إلى واقٍ شمسي أو معجون أسنان إذا اعتمد على الدهون الحيوانية. وهناك مَن يُصوِّر النباتات كأعداء للجسم، مثل أنتوني تشافي الذي يحذّر من «خطر» الخضروات.

 

من العلم إلى الأيديولوجيا

هذا الجدل يتجاوز الصحة ليصل إلى الهوية والثقافة. فاختيارات الطعام، كما يشرح الباحث جوردان روزنبلوم، قد تصبح وسيلة للتمييز بين «نحن» و»هم». في هذا السياق، يتحوَّل أكل اللحم إلى موقف أيديولوجي، تماماً كما هو الحال مع النباتية أو الأنظمة الغذائية الأخرى.

 

تاريخياً، لم يكن هذا الصراع جديداً. منذ القرن التاسع عشر، ارتبط اللحم بالقوّة والرجولة، فيما رآه مصلحون اجتماعيّون مصدراً للأمراض والانحرافات. حتى رقائق الذرة التي ابتكرها ويليام كيلوغ جاءت كبديل «صحي» للحوم الإفطار.

اليوم، تتداخل اللغة العلمية مع الخطاب الدعائي، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والمبالغة صعباً. صحيح أنّ اللحم غني بعناصر غذائية مهمّة، لكنّ ذلك لا يعني أنّه علاج سحري. فالأبحاث العلمية نفسها لا تزال متناقضة: بعضها يربط اللحوم بأمراض مزمنة، وأخرى تشير إلى فوائد الحميات الغنية بالبروتين.

 

من حاجة بيولوجية إلى ساحة صراع ثقافي

في النهاية، تبقى المسألة أكثر تعقيداً من مجرّد «اللحم مفيد أو ضار». فالصحة تتأثر بعوامل متعدِّدة: نمط الحياة، الكمّية المستهلكة، نوعية الطعام، وحتى القدرة المادية.

 

وإذا كان اللحم «دواءً» كما يعتقد البعض، فقد لا يكون في متناول الجميع. هكذا، يتحوَّل الغذاء من حاجة بيولوجية إلى ساحة صراع ثقافي، حيث تختلط الحقائق بالمعتقدات، ويصبح ما نأكله انعكاساً لما نؤمن به.

theme::common.loader_icon