حين تُرتكب الجرائم باسم الإنسانية... من مدام رولان إلى اليوم
حين تُرتكب الجرائم باسم الإنسانية... من مدام رولان إلى اليوم
أسماء ربيع المنهالي
Wednesday, 15-Apr-2026 06:17

بعض العبارات لا تُقال لتُحفَظ، بل لتبقى حيّة في كل زمن. هي من التاريخ... وللتاريخ عبر الأزمنة؛ ليست لتُردَّد فحسب، بل لتكون لحظات الوعي الأولى. حين وقفت مدام رولان في لحظتها الأخيرة، لم تكن تخاطب زمنها فقط، بل كانت تترك سؤالاً مفتوحاً للتاريخ: «يا حُرّية، كَم من الجرائم تُرتكب باسمك!». لم تكن تدين الكلمة، بل ما فُعِل بها - تلك اللحظة التي تنفصل فيها القِيَم عن معناها... وتستمر.

ومنذ ذلك الحين، لم تتوقّف العبارة عن التكرار، بصِيَغٍ مختلفة وتحت أسماءٍ أكثر حداثة. واليوم، لا نقف أمام المِقصلة، لكنّنا نقف أمام مفارقة لا تقلّ حدّة، مفارقة أكثر هدوءاً... وأكثر التباساً: كَم من الجرائم ارتُكِبت باسم الإنسانية! حين تنكشِف الحقيقة... ويتوارى النبل الأخلاقي.

 

اتّضحت المواقف، وانكشفت القضايا... في يد المتاجرين بها، بينما مَن ارتكب الخطأ يواصل استغلالها، ويُطالَب الآخرون بدفع ثمنه. لماذا نقف على أطلال أخطائهم... ونستجيب لمطالبهم؟

 

هكذا تُستنزف القضايا الإنسانية... حتى تفقد معناها الأول، حتى لِمَن لا صلة له بها سوى ضميرٍ لا يزال يراهن على أن يفيق العالم يوماً ما.

نُورِّث نظاماً عالمياً متناقضاً، متضارباً، لا يزال قائماً على مبدأ المفاضلة، حيث تتحوَّل القِيَم إلى أدوات، وتُقاس المواقف بميزان المصالح لا بميزان الحقيقة. المواقف الإنسانية ليست انتقائية، وليست قائمة مشتريات تُختار وفق موسمك واحتياجاتك كما تشتهي. إمّا أن تكون إنساناً... أو لا تكون.

 

وليست الإنسانية رفع شعارات، ولا هتافات، ولا كشف عَورات، ولا قذفاً وشتماً، ولا استجداءً ومزايدةً على القضايا. فكيف يطالبون بالحُرّية، وهم مَن يحتلّ؟ وليست الإنسانية تواقيع، ولا كلمات، ولا مصافحات، ولا ليلاً ينسى ما وعد به النهار، ولا يكون التاريخ... حبراً على ورق، أو - بالأصح - منشوراً على منصات التواصل الاجتماعي.

ليست الأزمة في غياب القِيَم، بل في ازدحامها حتى تفقد وضوحها. فالإنسانية لم تعُد تُختبَر في لحظات نادرة، بل أصبحت تُستدعى في كل شيء: في المواقف، وفي الكتابات، وفي المؤتمرات، حتى غدت كلمةً حاضرة... غائبة في معناها.

 

لم يعُد التناقض في الشعارات، بل في المسافة بينها وبين أفعالها. تُرفع الإنسانية عنواناً، وفي ظلّها يُبرَّر ما لا يُبرَّر، ويُعاد تعريف الألم، ويُختزل الإنسان إلى موقعٍ أو موقف. وهنا، لا يعود السؤال: مَن المخطئ؟ بل كيف تحوَّلت القِيَم التي وُجدت لتحمي الإنسان... إلى أدوات تُستخدم ضدّه؟

لأنّ أخطر ما في الأزمات ليس ما تكشفه من صراعات، بل ما تكشفه من قابلية الكلمات لأن تفقد معناها من دون أن تفقِد بريقها. فالكلمات لا تفقد أثرها حين تختفي، بل حين تبقى... وقد تُغيِّر معناها. وحين يحدث ذلك، لا نعود أمام أزمة واقع فقط، بل أمام أزمة إدراك - حيث لا تُطمس الحقيقة... بل يُعاد تعريفها.

 

ولهذا، لا تضيع القيم حين تُنكر، بل حين تُقال كثيراً... من دون أن تُرى. فالإنسانية لا تختفي حين تُحارَب، بل حين تُفرغ من معناها. وكأنّ المسرح الرحباني، كما صاغه منصور الرحباني وعاصي الرحباني، لم يكن يوماً يحكي عن غياب القيم، بل عن لحظةٍ أدق: حين تبقى الكلمات عالية... وتغيب أفعالها. هناك، لا يُهزم الحق لأنّه غائب، بل لأنّه حاضر... في غير موضعه.

 

وفي الختام، أترككم مع ما كتبته نازك الملائكة: «والمجتمعُ البشريُّ صريعُ رؤى وكؤوس والرحمةُ تبقى لفظاً يُقرأ في القاموس».

وأقول لها: يا ابنة الرافدين... لقد أصبح العالمُ هو الكؤوس، وأصبحت الأخلاق لا تُدرَك... إلّا في القاموس. وهنا فقط يعود السؤال من جديد: كَم من الجرائم ارتُكِبت باسم الإنسانية؟

 

يا ابنة الرافدين... لقد أصبح العالمُ

هو الكؤوس، وأصبحت الأخلاق

لا تُدرَك... إلّا في القاموس.

وهنا فقط يعود السؤال من جديد:

كَم من الجرائم ارتُكِبت باسم الإنسانية؟

theme::common.loader_icon