فرض السيطرة على الممرّ المائي وسيلة ردع إيرانية جديدة
فرض السيطرة على الممرّ المائي وسيلة ردع إيرانية جديدة
مارك مازيتي، آدام إنتوس، وجوليان إي. بارنز
Monday, 20-Apr-2026 07:23

شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضدّ إيران على أساس أنّ الأخيرة، إذا امتلكت يوماً سلاحاً نووياً، فسيكون لديها وسيلة الردع القصوى ضدّ أي هجمات مستقبلية. لكن تبيّن أنّ لدى إيران بالفعل وسيلة ردع: جغرافيّتها الخاصة. فقرار إيران فرض سيطرتها على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وهو نقطة اختناق استراتيجية يمرّ عبرها 20% من إمدادات النفط العالمية، أدّى إلى إلحاق أضرار اقتصادية عالمية، تمثّلت في ارتفاع أسعار البنزين والأسمدة وسلع أساسية أخرى. كما أربك هذا القرار خطط الحرب لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، فاضطر المسؤولون إلى ابتكار خيارات عسكرية لانتزاع السيطرة على المضيق من إيران.

ألحقت الحرب الأميركية- الإسرائيلية أضراراً كبيرة بهيكل القيادة في إيران، وبسفنها البحرية الأكبر، وبمنشآت إنتاج الصواريخ، لكنّها لم تفعل الكثير لتقييد قدرة إيران على السيطرة على المضيق. بالتالي، قد تخرج إيران من هذا النزاع بخطة تمكّن حكومتها الدينية المتشدِّدة من إبقاء خصومها على مسافة، بغضّ النظر عن أي قيود تُفرض على برنامجها النووي.

 

وأوضح داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لفرع إيران في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية والباحث في المجلس الأطلسي: «يعلم الجميع الآن أنّه إذا اندلع صراع في المستقبل، فإنّ إغلاق المضيق سيكون أول ما تتضمّنه القواعد الإيرانية. لا يمكنك هزيمة الجغرافيا».

 

وفي منشورات عدة على وسائل التواصل الاجتماعي، إعتبر الرئيس دونالد ترامب أنّ المضيق، الذي وصفه في أحد المنشورات بـ«مضيق إيران»، كان «مفتوحاً بالكامل» أمام الشحن. وأدلى وزير خارجية إيران بتصريح مماثل. إلّا أنّ الحرس الثوري الإسلامي الإيراني أعلن أنّ الممرّ المائي لا يزال مغلقاً، ما يشير إلى وجود انقسام بين العسكريِّين والمدنيِّين في إيران بشأن هذه المسألة خلال المفاوضات لإنهاء الحرب.

 

وفي حين أنّ مجرّد احتمال وجود ألغام بحرية، يكفي لإخافة حركة الشحن التجارية، فإنّ إيران تحتفظ بوسائل سيطرة أكثر دقة بكثير: الطائرات المسيّرة الهجومية والصواريخ قصيرة المدى. ويقدّر مسؤولون عسكريّون واستخباراتيّون أميركيّون أنّه، بعد أسابيع من الحرب، لا تزال إيران تحتفظ بنحو 40% من ترسانتها من الطائرات المسيّرة الهجومية، وأكثر من 60% من منصات إطلاق الصواريخ، ممّا يزيد عن الكفاية لاحتجاز حركة الشحن في مضيق هرمز كرهينة في المستقبل.

 

وأصبح أحد الأهداف المركزية للحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة في إيران الآن، إعادة فتح المضيق، الذي كان مفتوحاً عندما بدأت الحرب. وهذا يضع الولايات المتحدة في موقف محفوف بالمخاطر، وقد لاحظ خصومها ذلك.

وكتب دميتري مدفيديف، الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن في بلاده، الأسبوع الماضي: «ليس من الواضح كيف ستتطوَّر الهدنة بين واشنطن وطهران. لكن هناك أمراً واحداً مؤكّداً: لقد اختبرت إيران أسلحتها النووية. اسمها مضيق هرمز. وإمكاناته لا تنضب».

 

إنّ سيطرة إيران على المضيق دفعت الرئيس ترامب إلى إعلان حصار بحري من جانبه، وبدأت البحرية الأميركية هذا الأسبوع بإجبار سفن الشحن على التوجّه إلى الموانئ الإيرانية بعد عبورها الممرّ المائي.

وردّت إيران بغضب، لكن أيضاً بسخرية. إذ كتب أحد الممثليات الديبلوماسية الإيرانية على منصة (X): «مضيق هرمز ليس وسائل تواصل اجتماعي. إذا حظرك أحدهم، لا يمكنك ببساطة أن تحظره بالمثل». وقد شكّل النزاع حول المضيق محور العديد من مقاطع الفيديو التي أُنشئت بواسطة الذكاء الاصطناعي، وصوَّرت مسؤولين أميركيِّين وإسرائيليِّين كشخصيات LEGO.

 

ومع ذلك، كان لتأثير الحصار الأميركي وقعٌ حقيقي. إذ يشكّل النقل البحري نحو 90% من الناتج الاقتصادي لإيران، أي ما يقارب 340 مليون دولار يومياً، وقد توقّف هذا التدفُّق إلى حدٍّ كبير في الأيام الأخيرة.

وتعتبر إيران الحصار عملاً حربياً، وقد هدَّدت بمهاجمته. لكن حتى الآن لم تفعل ذلك، كما لم تحاول الولايات المتحدة خلال وقف إطلاق النار تقليص قبضة إيران على المضيق عند انتهاء النزاع.

 

وأوضح الأميرال كيفن دونغين، الذي كان يقود سابقاً أسطول البحرية الأميركية المسؤول عن الشرق الأوسط، خلال ندوة استضافها معهد الشرق الأوسط: «قد يكون البلدان يرَيان أنّ هناك فرصة حقيقية لإجراء مفاوضات»، ولا يرغبان في تصعيد النزاع راهناً.

وقد حاولت إيران إغلاق مضيق هرمز مرّة من قبل، إذ زرعت ألغاماً فيه وفي الخليج العربي، خلال نزاعها مع العراق في ثمانينات القرن الماضي. لكنّ حرب الألغام خطيرة، وبعد عقود نجحت إيران في تسخير تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيّرة لتهديد حركة الملاحة البحرية التجارية والعسكرية على حدٍّ سواء.

 

وعلى رغم من أنّ الحرب الأميركية والإسرائيلية ألحقت أضراراً كبيرة بقدرة إيران على تصنيع الأسلحة، فإنّها احتفظت بما يكفي من الصواريخ ومنصات الإطلاق والطائرات المسيّرة الانتحارية لتهديد حركة الشحن في المضيق.

وتختلف التقديرات الاستخباراتية والعسكرية الأميركية، لكنّ مسؤولين عدة يعتقدون أنّ إيران لا تزال تملك نحو 40% من ترسانتها من الطائرات المسيّرة قبل الحرب. وقد أثبتت هذه الطائرات أنّها وسيلة ردع قوية. فعلى رغم من أنّ السفن الحربية الأميركية تستطيع إسقاطها بسهولة، فإنّ ناقلات النفط التجارية تفتقر إلى وسائل دفاع تُذكر.

 

كما تمتلك إيران مخزونات وافرة من الصواريخ ومنصات إطلاقها. وعند تحديد وقف إطلاق النار، كانت إيران تملك إمكانية الوصول إلى نحو نصف منصات إطلاقها. وفي الأيام التي تلت ذلك مباشرة، استخرجت نحو 100 نظام كانت مدفونة داخل كهوف ومخابئ، ما رفع مخزون منصات الإطلاق لديها إلى نحو 60% من مستواه قبل الحرب.

وتعمل إيران أيضاً على استخراج مخزونها من الصواريخ، الذي دُفن بالمثل تحت الأنقاض نتيجة الضربات الأميركية على مخابئها ومستودعاتها. وعند اكتمال هذا العمل، قد تستعيد إيران ما يصل إلى 70% من ترسانتها قبل الحرب، وفقاً لبعض التقديرات الأميركية.

 

ويشير المسؤولون، إلى أنّ أعداد مخزونات الأسلحة الإيرانية ليست دقيقة. فالتقييمات الاستخباراتية تقدِّم نظرة عامة على حجم القوّة التي لا تزال إيران تحتفظ بها.

لكن، على رغم من اختلاف التقديرات بشأن مخزون الصواريخ الإيراني، هناك اتفاق بين المسؤولين على أنّ إيران تمتلك ما يكفي من الأسلحة لتعطيل حركة الشحن في المستقبل.

وكانت الحكومة الإيرانية قد اختارت عدم إغلاق مضيق هرمز في حزيران الماضي، عندما أطلقت إسرائيل حملة عسكرية انضمّت إليها الولايات المتحدة لاحقاً لاستهداف مواقع نووية مدفونة بعمق.

 

ولفت سترينوفيتش، المسؤول الإسرائيلي السابق، إلى أنّ هذا القرار يعكس على الأرجح النهج الحذر للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي ربما كان قلقاً من أن يؤدّي إغلاق المضيق إلى انضمام دول أخرى إلى الحملة العسكرية ضد إيران.

وقد قُتل آية الله خامنئي في اليوم الأول من الحرب الحالية، في خطوة أشارت إلى المسؤولين الإيرانيِّين إلى أنّ الأهداف الأميركية والإسرائيلية في هذا النزاع كانت أوسع بكثير.

وقال سترينوفيتش: «رأت إيران حرب حزيران على أنّها حرب إسرائيلية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الخاصة. هذه حرب لتغيير النظام».

 

ما مصير المفاوضات لفتح المضيق؟

وأعلن الرئيس ترامب، أمس الأحد، إن مسؤولين أميركيِّين سيسافرون إلى باكستان لإجراء مزيد من المفاوضات بشأن إنهاء الحرب مع إيران، في وقت ظل فيه مضيق هرمز الحيوي اقتصادياً، شبه مغلق، وكان من المقرّر أن تنقضي هذا الأسبوع هدنة استمرّت أسبوعَين.

 

وسيترأس نائب الرئيس جي دي فانس مرة أخرى الوفد الأميركي، برفقة كبار مساعدي ترمب، جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، وفقاً لمسؤول في البيت الأبيض. ولم يصدر تعليق فوري من المسؤولين الإيرانيِّين.

ولم تُقدَّم تفاصيل بشأن توقيت المحادثات أو ما الذي سيُناقش فيها. وستكون مفاوضات هذا الأسبوع ثاني اجتماع لمسؤولين رفيعي المستوى منذ دخول هدنة لمدة أسبوعَين حيّز التنفيذ في 8 نيسان.

 

وأعلنت إيران إنّها أغلقت فعلياً مضيق هرمز، متحدّيةً أحد شروط ترمب للهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وبدا الممر المائي في الخليج الفارسي، الحاسم لإمدادات الطاقة العالمية، مغلقاً إلى حد كبير يوم أمس. كما كشف ترمب إنّ إيران أطلقت النار على سفن عابرة في «انتهاك تام لوقف إطلاق النار».

وجاء إعلان ترمب عن المحادثات مصحوباً بتهديد متجدِّد بشن هجوم على البُنية التحتية المدنية في إيران إذا لم يُعاد فتح المضيق ولم يتم التوصُّل إلى تمديد للهدنة. وقد يشكّل مثل هذا الإنذار انتهاكاً للاتفاقيات الدولية الخاصة بقوانين الحرب.

 

وكتب ترمب على منصته التواصل الاجتماعي «تروث سوشيل»: «نحن نقدِّم صفقة عادلة ومعقولة جداً. آمل أن يقبلوها، لأنّه إذا لم يفعلوا، فإنّ الولايات المتحدة ستقضي على كل محطة طاقة، وكل جسر، في إيران».

 

واعتبر مايك وولتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في برنامج Meet the Press على شبكة NBC، إنّ مثل هذه الأصول تُعدّ «هدفاً مشروعاً» لأنّ هذه البُنية التحتية «تغذي عملياً الجيش الإيراني». وتأتي جولة المحادثات المرتقبة بعد جولة مماثلة من المفاوضات قادها فانس في نهاية الأسبوع الماضي في إسلام أباد، عاصمة باكستان، والتي انتهت من دون تحقيق اختراق. وكان ذلك الاجتماع أعلى مستوى من اللقاءات بين القادة الإيرانيِّين والأميركيِّين منذ عقود.

 

وفي الأيام الأخيرة، كرّر ترمب مراراً إنّ إيران وافقت على جميع مطالبه تقريباً بشأن برنامجها النووي. ونفى القادة الإيرانيّون هذا الادّعاء بشدة، ممّا بدّد الآمال في التوصُّل إلى اتفاق فوري.

theme::common.loader_icon