مَن يكون الفائز في الحرب الإيرانية: اليوان أم البترودولار؟
مَن يكون الفائز في الحرب الإيرانية: اليوان أم البترودولار؟
البروفيسور ندى الملّاح البستانيّ

بروفيسور في جامعة القدّيس يوسف ببيروت، رئيسة مؤسِّسة لجمعيّة التميّز للأبحاث المبتكرة والاستدامة والتنمية الاقتصاديّة "AXISSED"

Tuesday, 21-Apr-2026 06:58

في المشهد الجيوسياسي في إيران، غالباً ما تستحوذ ضجّة الصواريخ الدقيقة والصور المهيبة لحاملات الطائرات على اهتمام العالم. ومع ذلك، هناك تحوُّل عميق يجري حالياً في مجال غالباً ما يتمّ تجاهله: النظام النقدي العالمي. ففي حين تحافظ الولايات المتحدة الأميركية على هيمنة عسكرية لا يمكن إنكارها على الأرض، فإنّها ربّما تكون بصدد خسارة حرب أشدّ أهمّية بكثير، وهي الحرب النقدية. إذ برز مطلب لإعادة فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، بشرط أن يُدفع ثمن كلّ برميل باليوان الصيني بدلاً من الدولار الأميركي.

تعتمد الاقتصادات العالمية الكبرى، بما في ذلك اليابان وكوريا الجنوبية والهند ودول مختلفة في جنوب شرق آسيا، اعتماداً كاملاً على هذا الممرّ لتزويد صناعاتها وشبكات النقل ومحطّات الطاقة بالوقود. لأسابيع، حاولت الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض فتح الممر، حتى إنّ الرئيس دونالد ترامب دعا مسؤولي الناقلات إلى إظهار الشجاعة في مواجهة الحصار، على رغم من تعرّض عدّة سفن لنيران مباشرة. ومع ذلك، تستمر الناقلات في التراكم عند مدخل المضيق كازدحام مروري لا نهاية له، وتجد واشنطن نفسها عاجزة عن التحكّم في تدفّق حركة المرور.

إنّ المطالبة الإيرانية بالدفع باليوان تهاجم نظاماً بقي يدعم الاقتصاد العالمي لمدة 52 عاماً. ففي العام 1974، وفي أعقاب حرب أكتوبر والصدمة النفطية التي تلت ذلك ودمّرت الاقتصادات الغربية، أبرمت واشنطن والرياض اتفاقاً سرّياً، التزمت فيه السعودية ببيع نفطها بالدولار الأميركي حصراً؛ وفي المقابل، ضمنت الولايات المتحدة الأمن العسكري للمملكة. سرعان ما تبنّى منتجو النفط الآخرون نظام «البترودولار» هذا، ممّا خلق قاعدة مطلقة، وإن كانت غير مكتوبة، للتجارة العالمية: النفط يساوي الدولار الأميركي.

كانت عواقب هذا الترتيب هائلة. فقد أوجد طلباً عالمياً دائماً على العملة الأميركية. فاضطرّت أي دولة ترغب في شراء النفط، إلى تجميع الدولار الأميركي والاحتفاظ به. كان هذا الطلب المستمر بمثابة «القلب النابض» للهيمنة الأميركية بعدة طرق. تاريخياً، قوبل أيّ تحدٍّ لهذا النظام بعواقب «وحشية وراديكالية وحاسمة»، كما يتضح من مصير صدام حسين، ومعمّر القذافي، عندما حاولا تداول النفط باليورو أو اقترحا «دينار الذهب» الإفريقي.

سمح هذا النظام لواشنطن بالاقتراض بأسعار فائدة منخفضة جداً لعقود طويلة. ومكّنها من تسجيل عجز هائل في الميزانية من دون انهيار العملة. كما موّل صيانة 800 منشأة عسكرية في جميع أنحاء العالم، وسمح للبنتاغون بتجاوز الميزانية الدفاعية لـ 10 دول تليه في الترتيب مجتمعة. ولعلّ الأهم من ذلك، أنّه منح العقوبات الأميركية القدرة على «خنق» اقتصادات بأكملها، إذ إنّ عزل دولة ما عن الدولار الأميركي يعني فعلياً عزلها عن تجارة النفط العالمية.

ومع ذلك، فإنّ الصراع الحالي يمثل نوعاً مختلفاً من التحدّيات. فإيران لا تهدِّد البترودولار فحسب؛ بل إنّها تبرهن على وجود بديل. فمنذ بداية الأعمال العدائية الحالية، شحنت الناقلات الإيرانية أكثر من 11 مليون برميل من النفط الخام عبر مضيق هرمز، مع تسوية كلّ معاملة باليوان.

الأمر الملفت للأنظار ظهور نظامَين متوازيَين داخل المضيق. إذ تحرّكت الناقلات التي تجري معاملاتها باليوان بحرّية، غالباً تحت الحماية الصامتة للمصالح الصينية، من دون مواجهة حواجز أو حوادث. وفي الوقت نفسه، بقيت الناقلات المرتبطة بالدولار الأميركي عالقة عند المدخل، في انتظار تصاريح لا تصلها.

حتى عندما حاول الجيش الأميركي فرض هيمنته بضرب محطة جزيرة «خرج»، مركز التصدير الرئيسي لإيران المسؤول عن 90% من مبيعاتها من النفط الخام، لم يدم النصر طويلاً. ففي غضون 48 ساعة، تكيّفت إيران، وحوّلت مسار الناقلات إلى محطة «جاسك» الواقعة جنوب المضيق في خليج عُمان. وبينما تضرّرت البُنية التحتية المادية للموقع العسكري، بقيت الرافعة الاقتصادية سليمة.

في حين، تركّز الولايات المتحدة على الضربات العسكرية، تخوض الصين لعبة طويلة الأمد، إذ تعزّز مصالحها المالية من دون إطلاق صاروخ واحد. لسنوات، كانت بكين تبني بهدوء بنية تحتية عالمية للمدفوعات لمنافسة نظام (SWIFT) الذي تهيمن عليه واشنطن.

إذ شهد هذا النظام، المعروف باسم (CIPS نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود)، نمواً هائلاً. ففي العام 2025 وحده، عالج نظام (CIPS) 24,5 تريليون دولار أميركي، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 43% في عام واحد فقط. لم يعُد هذا مشروعاً تجريبياً؛ بل بديل يعمل بكامل طاقته وكان جاهزاً في اللحظة التي فرضت فيها إيران شرطها في مضيق هرمز. فقد تغيّرت المعادلة بحسب الدول في جنوب شرق آسيا التي تحتاج إلى النفط. ففي السابق، كان عليها تحويل عملتها إلى الدولار الأميركي واستخدام الدوائر التي تراقبها الولايات المتحدة. أمّا الآن، فلديها مسار ثانٍ: التحويل إلى اليوان، واستخدام (CIPS)، وشراء النفط الذي قد يكون أرخص وخالياً من الرقابة الأميركية.

يشير التاريخ الاقتصادي إلى أنّه بمجرّد إنشاء نظام بديل وأرخص وعملي، نادراً ما تعود الدول إلى نظام أكثر تكلفة وتقييداً. فكلّ يوم تمرّ فيه ناقلات النفط التي تُسوّى باليوان عبر مضيق هرمز من دون حوادث، يُعزَّز معيار عالمي جديد. كل بنك مركزي يبدأ في تخزين المزيد من اليوان يصبح أقل اعتماداً على الدولار الأميركي وأقل أسراً للنظام الذي أُنشئ في العام 1974.

يوجد حالياً «لوحتا نتائج» في هذا الصراع. لوحة النتائج العسكرية، التي يراقبها الجمهور من كثب، التي تُظهِر الانتصارات التكتيكية الأميركية: مصانع مسيّرات مدمَّرة، وضربات صاروخية، وانتصارات تمّ التحقّق منها عبر الأقمار الصناعية. على هذه اللوحة، يبقى التفوّق أميركياً بلا منازع. ومع ذلك، فإنّ «لوحة النتائج» المالية قد تروي قصة مختلفة. فهي تتبُّع ارتفاع معاملات اليوان، وزيادة واردات الصين من النفط، وركود الناقلات المرتبطة بالدولار حتّى اللحظة. ومن غير المرجّح أن ينهار نظام البترودولار في لحظة استسلام واحدة دراماتيكية.

هكذا، ومع احتفال نظام البترودولار بمرور 52 عاماً على إنشائه مع بداية هذا الصراع، لم يكن مستقبله أكثر غموضاً من ذي قبل. ففي وزارات المالية والبنوك المركزية حول العالم، تتمّ إعادة التفكير برسم الاستراتيجيات على رقعة الاقتصاد العالمية.

فهل المشهد الحالي هو معركة عسكرية بين إيران والولايات المتحدة؟ أم معركة اقتصادية طرفها الآخر التنّين الصيني الصامت؟ ويبقى السؤال، أليس وراء كلّ معركة عسكرية دوافع هيمنة اقتصادية تحرِّكه وتتحكّم بأهدافه؟

theme::common.loader_icon