عصر جديد وقيادة مختلفة: الجنرالات الذين يديرون إيران
عصر جديد وقيادة مختلفة: الجنرالات الذين يديرون إيران
فرناز فصيحي- نيويورك تايمز
Friday, 24-Apr-2026 07:17

أدّى مقتل آية الله علي خامنئي إلى تدشين نمط جديد من القيادة الجماعية في إيران، حيث تعاظم نفوذ الحرس الثوري بصورة غير مسبوقة. فخلال فترة حكمه كمرشد أعلى، كان خامنئي الأب يمسك بزمام السلطة المطلقة، متحكّماً في جميع القرارات المتعلقة بالحرب والسلم والمفاوضات مع الولايات المتحدة. أمّا نجله وخليفته، فلا يؤدّي الدور عينه ولا يتمتع بالمكانة نفسها. فآية الله مجتبى خامنئي، الابن، شخصية غامضة إلى حدٍّ بعيد؛ لم يظهر علناً ولم يُسمَع صوته منذ تعيينه في آذار. وبدلاً من ذلك، برزت قيادة جماعية من القادة العسكريِّين المخضرمين في الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب شخصيات متحالفة معهم، لتتولّى فعلياً اتخاذ القرارات الأساسية في مجالات الأمن والحرب والديبلوماسية.

يصف عبد الرضا داوري، المستشار الأول السابق للرئيس السابق محمود أحمدي نجاد ويعرف خامنئي جيداً، هذا الوضع قائلاً، إنّ مجتبى «يدير البلاد كما لو كان رئيس مجلس إدارة»، معتمداً بشكل كبير على مشورة أعضاء هذا «المجلس»، الذين يتخذون القرارات بشكل جماعي: «الجنرالات هم أعضاء مجلس الإدارة».

تستند هذه الصورة لتركيبة السلطة الجديدة في إيران إلى مقابلات مع عدد من كبار المسؤولين الحاليِّين والسابقين، أعضاء في الحرس الثوري، رجل دين مطّلع على خفايا النظام، إلى جانب أشخاص مقرّبين من خامنئي.

 

اختير مجتبى مرشداً أعلى جديداً من قِبل مجلس من كبار رجال الدين، لكنّه يعيش في حالة اختفاء منذ أن قصفت القوات الأميركية والإسرائيلية في 28 شباط مجمّع والده، حيث كان يقيم مع عائلته. وأسفر الهجوم عن مقتل والده وزوجته وابنه. ومنذ ذلك الحين، بات الوصول إليه شديد الصعوبة، إذ يخضع لحماية مشدَّدة ويحيط به فريق طبّي يعالج إصاباته الخطيرة. ولا يزوره كبار قادة الحرس الثوري أو المسؤولون الحكوميّون، خشية أن تتعقبّهم إسرائيل وتصل إليه. وشارك الرئيس مسعود بزشكيان، وهو جرّاح قلب، إلى جانب وزير الصحة، في الإشراف على علاجه.

 

وعلى رغم من خطورة إصاباته، يؤكّد مسؤولون إيرانيّون أنّه لا يزال يتمتع بصفاء ذهني ويواكب مجريات الأمور. خضع لإجراء 3 عمليات في إحدى ساقَيه، وينتظر تركيب طرف صناعي، كما أُجريت له جراحة في إحدى يدَيه لتستعيد وظيفتها تدريجياً. أمّا وجهه وشفتَاه فتعرّضا لحروق شديدة تُعوّق قدرته على الكلام، ما سيستلزم جراحة تجميلية لاحقاً.

ولم يسجِّل خامنئي أي خطاب مرئي أو صوتي حتى الآن، تفادياً للظهور بمظهر الضعف في أول ظهور علني له. واكتفى بإصدار بيانات مكتوبة تُنشر عبر الإنترنت والتلفزيون الرسمي. أمّا التواصل معه، فيتمّ عبر رسائل مكتوبة بخط اليد توضع في مظاريف مغلقة، وتُنقل عبر سلسلة من الوسطاء الموثوقين الذين يتنقلون بين الطرق السريعة والفرعية حتى تصل إليه، وتعود تعليماته بالطريقة نفسها.

 

هذه الظروف (مخاوف أمنية، إصابات جسدية، وصعوبة الوصول) دفعت خامنئي إلى تفويض جزء كبير من عملية اتخاذ القرار للجنرالات، على الأقل في المرحلة الراهنة. وعلى رغم من استمرار مشاركة التيارات السياسية المختلفة في النقاشات، فإنّ نفوذ القادة العسكريِّين يتعزّز، خصوصاً في ظل علاقة خامنئي الوثيقة بهم منذ شبابه، عندما قاتل متطوِّعاً في الحرب العراقية-الإيرانية.

في هذا السياق، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنّ الحرب وما رافقها من تصفية قيادات إيرانية أدّت إلى «تغيير في النظام»، معتبراً أنّ القادة الجدد «أكثر عقلانية». غير أنّ الواقع يشير إلى أنّ النظام لم يسقط، بل انتقلت السلطة إلى مؤسسة عسكرية متجذّرة ذات توجُّه متشدِّد، بينما تراجع تأثير المؤسسة الدينية.

 

توضّح الباحثة سنم وكيل من «تشاتام هاوس» أنّ مجتبى خامنئي «ليس في موقع السيطرة الكاملة بعد»، إذ يُعرض عليه ما يشبه «الأمر الواقع» في القرارات، حتى وإن كان يشارك فيها رسمياً. وقد أكّد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري، أنّ مقترحات الاتفاق النووي وخطط السلام مع الولايات المتحدة عُرضت على خامنئي، وأُخذت آراؤه في الاعتبار.

 

صعود الحرس الثوري

منذ تأسيسه لحماية الثورة الإسلامية عام 1979، عمل الحرس الثوري على تعزيز نفوذه تدريجياً، عبر تولّي مناصب سياسية، والسيطرة على قطاعات اقتصادية، وهيمنة على الأجهزة الاستخباراتية، وبناء علاقات مع جماعات مسلحة في المنطقة.

 

لكن خلال عهد خامنئي الأب، ظلّ الحرس خاضعاً لإرادته بصفته المرجعية الدينية والقائد الأعلى للقوات المسلحة. ومع مقتله في اليوم الأول من الحرب، نشأ فراغ في السلطة استغلّه الحرس لتعزيز نفوذه، ودعموا مجتبى في صراع الخلافة، ولعبوا دوراً حاسماً في تثبيته مرشداً أعلى.

يمتلك الحرس مفاتيح متعدِّدة للسلطة: يقوده اللواء أحمد وحيدي، ويترأس مجلس الأمن القومي محمد باقر ذوالقدر، بينما يشغل يحيى رحيم صفوي موقع المستشار العسكري الأعلى. ويؤكّد محلّلون أنّ مجتبى «مدين للحرس بموقعه وبقاء النظام»، ما يجعله في موقع تبعية لهم.

 

يرى الجنرالات أنّ الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل تهديد وجودي للنظام، لكنّهم يعتقدون أنّهم نجحوا في احتواء الخطر بعد أسابيع من القتال. وقادوا الاستراتيجية العسكرية، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، واستخدام الحرب لتعزيز موقعهم داخلياً.

في المقابل، هُمِّشت الحكومة المدنية، وطُلب من الرئيس وحكومته التركيز على إدارة الشؤون الداخلية مثل توفير الغذاء والوقود. كما تراجع دور وزير الخارجية عباس عراقجي في المفاوضات، لصالح قاليباف.

 

وكان الحرس وراء وضع استراتيجية الهجمات، قرار وقف إطلاق النار الموقت، والانخراط في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة. كما شارك لأول مرّة قادة عسكريّون ضمن الوفد التفاوضي. يعزى نفوذ الحرس جزئياً إلى حداثة عهد خامنئي في القيادة، وضعف ثقله السياسي والديني مقارنة بوالده، بالإضافة إلى علاقاته الشخصية العميقة مع قادة الحرس منذ شبابه.

ففي سن الـ17، انضمّ إلى كتيبة «حبيب» التابعة للحرس خلال الحرب مع العراق، فكوّن علاقات طويلة الأمد مع رفاق السلاح الذين أصبحوا لاحقاً شخصيات نافذة. ومن بين أقربهم إليه حسين طائب، رئيس الاستخبارات السابق، محسن رضائي، وقاليباف.

 

كانت هذه المجموعة تعقد اجتماعات أسبوعية في مجمّع خامنئي، وعُرفت بـ«مثلّث السلطة». واتُّهمت من قِبل رجل الدين الإصلاحي مهدي كروبي بالتدخُّل في انتخابات 2009 وتزويرها لصالح أحمدي نجاد، ما أدّى إلى احتجاجات واسعة.

اليوم، تلعب هذه العلاقات دوراً حاسماً في طبيعة العلاقة بين خامنئي والجنرالات، إذ يتعاملون كأنداد أكثر من كونهم في علاقة هرمية تقليدية.

 

خلافات تحت السطح

على رغم من هيمنة الجنرالات، لا تزال الساحة السياسية الإيرانية متعدِّدة الأصوات، إذ يجلس ممثلون عن التيارات المختلفة في مجلس الأمن القومي. لكن في ظل القيادة الجماعية الحالية، تبقى الكلمة العليا للعسكريِّين، من دون مؤشرات إلى انقسام بينهم.

 

تجلّى ذلك عندما ألغى الجنرالات جولة مفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام آباد، بسبب خلافات حول استمرار الحصار البحري الأميركي. واعتبروا أنّ الضغوط الأميركية تُظهر عدم جدّية في التفاوض.

في المقابل، حذّر الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية من الخسائر الاقتصادية الهائلة، التي تُقدَّر بنحو 300 مليار دولار، وضرورة رفع العقوبات لإعادة الإعمار. لكنّ موقف الجنرالات هو الذي انتصر.

 

في الأثناء، مدَّد ترامب وقف إطلاق النار مع استمرار الحصار، منتظراً مقترحاً إيرانياً للسلام. ولا يزال الغموض يحيط بمآلات المفاوضات، خصوصاً بشأن البرنامج النووي، وقضيّتَي تخصيب اليورانيوم والمخزون عالي التخصيب.

في الداخل، تعارض فصائل متشدِّدة أي تنازلات، وتدعو إلى مواصلة الحرب، فنظّمت تظاهرات، وهاجمت فريق التفاوض، مطالبةً خامنئي بإعلان موقفه علناً.

 

وفي خطاب متلفز، حاول قاليباف طمأنة الإيرانيِّين، مؤكّداً مشاركة خامنئي في القرارات، ومشدِّداً على أنّ المكاسب العسكرية يجب توظيفها ديبلوماسياً: «نجاحاتنا لا تعني أنّنا أقوى من الولايات المتحدة، بل يجب أن نفهم حدود القوّة».

theme::common.loader_icon