يشكّك الأوروبيّون بشكل متزايد في أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يزال ملتزماً بحلف شمال الأطلسي وبالدفاع المشترك الذي يضمنه. ولذلك، بدأوا يتحدّثون بجدّية أكبر عن ضمانهم الخاص غير المعروف نسبياً للدفاع الجماعي، وهو بند مدفون في الوثائق الحاكمة للاتحاد الأوروبي. ولطالما تجاهل كثيرون هذا البند من قَبل، باعتباره غير قابل للتطبيق بل وغير ضروري في ظل وجود حلف الناتو الراسخ، إذ تُلزم المادة 42.7 من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي، الدول الأعضاء، بتقديم مساعدات عسكرية وإنسانية ومالية لأعضاء آخرين في حال تعرّضهم لهجوم. وقد استُحدثت هذه المادة لتكمل دور الناتو، ولم تُستخدم سوى مرّة واحدة، عندما لجأت إليها فرنسا بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في تشرين الثاني 2015 في باريس وضواحيها.
لكن، مع تهديد ترامب بين الحين والآخر بالانسحاب من الناتو بسبب رفض الدول الأعضاء دعم الحرب في إيران، فإنّ هذه اللحظة تُعيد تشكيل كل من الحلف والاتحاد الأوروبي بشكل عميق، بحسب كميل غراند، المسؤول السابق في الناتو والأمين العام لجمعية ASD Europe، وهي رابطة تجارية لصناعات الدفاع. واعتبر أنّ موقف إدارة ترامب المتغيِّر «يخلق حاجة للدفاع عن أوروبا بقدر أقل من الاعتماد على أميركا».
كيفية تطبيق المادة 42.7 عملياً
وقد ناقش قادة الاتحاد الأوروبي في قبرص، حيث كانوا يعقدون اجتماعات غير رسمية هذا الأسبوع، هذا البند من المعاهدة مساء الخميس. ويخطّطون لإجراء تمرين الشهر المقبل، في وقت يفكّر فيه ديبلوماسيّون كبار مختصّون بالشؤون الأمنية في كيفية تطبيق المادة 42.7 عملياً.
وأوضح الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس أمس، في إشارة إلى المفوَّضية الأوروبية: «اتفقنا الليلة الماضية على أن تُعِدّ المفوَّضية مخطَّطاً لكيفية استجابتنا، في حال فعّلت دولة عضو هذا البند. لنفترض أنّ فرنسا هي مَن فعّلته، أي من الدول ستكون أول مَن يستجيب لطلب الحكومة الفرنسية؟».
شكوك في عمل النظام
أمّا رادوسلاف سيكورسكي، وزير الخارجية البولندي ووزير الدفاع السابق، فيُشكّك في أنّ هذا النظام سيعمل بشكل جيد: «لا يمكن تحقيق دفاع أوروبي جاد من دون تغيير المعاهدات، وهذا غير ممكن حالياً»، مشيراً إلى أنّ الاتحاد الأوروبي لا يستطيع تمويل العمليات العسكرية من ميزانيّته، وأنّ الدول الأعضاء متردِّدة في تخصيص قواتها وأموالها لعملية لا تستطيع السيطرة عليها مباشرة.
وأضاف أنّ لكل دولة متطلّباتها القانونية الخاصة وقيودها وشروطها الصارمة لقواعد الاشتباك، فضلاً عن مشكلات اللغة والارتباك القائم بشأن مَن سيتولّى قيادة أي عملية أوروبية مشتركة: «أشعر باليأس بشأن ما يجب أن يحدث حتى نأخذ الدفاع على محمل الجدّ».
أمّا المادة الخامسة الشهيرة في حلف الناتو، التي تُلزم الدول الأعضاء بالدفاع الجماعي، فهي في الواقع لا تفرِض سوى التشاور بشأن كيفية الردّ على أي هجوم. وقد استُخدِمت مرّة واحدة فقط، عندما فُعِّلت للمساعدة في الدفاع عن الولايات المتحدة بعد هجمات 11 أيلول.
الاتحاد الأوروبي «آلة تسويات» أقل كفاءة
وعلى الورق، يبدو بند الاتحاد الأوروبي أقوى، لأنّه يفرض التزاماً بتقديم المساعدة لدولة عضو تتعرّض لهجوم. لكنّ الناتو منظمة أحادية الهدف تركّز فقط على الدفاع، وتتميّز بعملية اتخاذ قرار مبسطة وهيكل هرمي واضح وقوّة مهيمنة واحدة (الولايات المتحدة) تتخذ القرارات. أمّا الاتحاد الأوروبي، فهو على النقيض، «آلة تسويات» أكثر تعقيداً وأقل كفاءة بكثير، وفقاً ليان تيخاو، المسؤول الدفاعي الألماني السابق الذي يحلل الأمن الأوروبي لصالح مجموعة أوراسيا، وهي شركة استشارات.
وأوضح تيخاو أنّ البعض عندما يتحدّث عن الأمن الأوروبي يرى في بند الاتحاد الأوروبي «الطريق الأنسب. لا أعتقد أنّ له مستقبلاً كبيراً، لأنّ لا أحد يريد فعلياً إدارة الأمن الأوروبي عبر هياكل الاتحاد الأوروبي المعقّدة للغاية».
يهدف الاختبار النظري للمادة 42.7 إلى محاكاة كيفية عملها سياسياً في حالة الطوارئ، على أن يتبعه إعداد ورقة عمل. وقبل وصول ترامب، لم يكن أحد يأخذ هذا البند على محمل الجدّ، بحسب برونو ماشايس، وزير الدولة السابق للشؤون الأوروبية في البرتغال. لكن بما أنّ المادة الخامسة في الناتو «أصبحت أقل أهمّية»، فإنّ «42.7 أصبحت أكثر أهمّية». كما يحاول الأوروبيّون البناء على فكرة «ائتلاف الراغبين»، الذي ناقش نشر قوات أوروبية في أوكرانيا لمراقبة أي تسوية سلمية. وبقيادة بريطانيا وفرنسا، استُخدم النموذج نفسه أيضاً لمناقشة مساهمة أوروبية في إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً بعد انتهاء الأعمال القتالية. ومع أنّ بريطانيا لم تعُد عضواً في الاتحاد الأوروبي، يرى بعض المحلّلين أنّ هذا الائتلاف الناشئ قد يشكّل أساساً لركيزة أوروبية أقوى داخل الناتو، تكون أيضاً قادرة على العمل خارجه.
وبالنسبة إلى الدول غير الأعضاء في الناتو مثل أيرلندا، النمسا ومالطا، يكتسب بند الاتحاد الأوروبي أهمّية إضافية. لكن بعض دول الاتحاد، خصوصاً في أوروبا الوسطى ومنطقة البلطيق، تخشى أن يؤدّي الحديث الصاخب عن الدفاع الجماعي الأوروبي إلى منح ترامب ذريعة لتقليص التزامه بالناتو بشكل أكبر.
وقد زادت الأحداث الأخيرة من إلحاح بند الدفاع في الاتحاد الأوروبي. فكان أولها تهديد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، ثم ضربة بطائرة مسيّرة إيرانية استهدفت قاعدة بريطانية في قبرص، وهي دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، في بداية الحرب مع إيران. وقد أرسلت إيطاليا وألمانيا ودول أعضاء أخرى مساعدات، على رغم من عدم تفعيل بند الدفاع رسمياً.
ولهذا السبب قرّر المسؤولون الأوروبيّون أنّه من المفيد توضيح كيفية عمل هذا الإجراء بشكل دقيق. ومع ذلك، فإنّ اندفاع الاتحاد الأوروبي نحو مجال الدفاع تسبَّب في توترات مع الدول الأعضاء والمؤسسات القائمة مثل الناتو. ويرى غراند، المسؤول السابق في الحلف، إمكانية حدوث مزيد من الخلافات. وأشار إلى أنّ «إعادة الاصطفاف قد تولّد احتكاكات»، مضيفاً أنّه إذا عملت الأطراف معاً، فإنّ الردع الأوروبي سيصبح أكثر فاعلية وصدقية.