إذاً، لا فكاك من إلقاء ضوء وهَّاج على الأسباب السياسية (بعد أن عكفنا على تناول الأسباب التكنولوجية والأسباب الاقتصادية في مقالَين سابقَين)، ليكون شاهداً (الضوء) على أكثر تلك الأسباب ظهوراً في العلن وكأنّها تُرَى رَأْيَ العين. وما غرضنا ههنا، سوى الإطلالة على المُتخيَّر والمُنتخَب منها بعناية وحرص. وبناءً عليه، فإنّ السبب الأول الذي يهجِس في عقل الباحث ووجدانه على الدوام، ما هو إلّا تعثر الحكومات في وضع سياسات تنمية معلوماتية؛ استبعاداً للفضل على مواطنيها وجرياً على مألوف تركهم لشؤونهم وعدم السهر على تتبُّع ما يفيدهم وينفعهم. وهل الحكومات إلّا بما يفيد وينفع؟
غياب الرؤى المستقبلية
وفي الغالب، يتجلّى ذلك التعثر تمام التجلّي، في غياب الرؤى المستقبلية ذات البُعد التكنولوجي واضطراب تنظيم المعلومات والعجز عن رسم استراتيجيات محمودة، لفائدة دمج التكنولوجيا والبيانات المتمخّضة عنها في إدارة الدولة وتحقيق التنمية الاقتصادية-الاجتماعية. ومتى كان ذلك حقاً، تضعف استجابة الدولة لنداء تحويل المنتجات التكنولوجية - ولو كانت ذات سعة في الجُود خجولة - إلى رصيد وطني وتطبيقات استراتيجية مستدامة، ما يُبْقِي «مجتمع المعلومات» مخصوصاً بالحكومات التي تُحسِن استغلال «فيوضات» مواردها وتسهر على رفع جودة أداء جهازها الحكومي.
وضع سياسات تنمية معلوماتية بالتوازي مع سرعة التطوُّر التكنولوجي
وللتذكير، فإنّ وضع سياسات تنمية معلوماتية بالتوازي مع سرعة التطوُّر التكنولوجي، لا يتأتَّى إلّا لكيانات سياسية ذات حظ أو نصيب مضمون من الوعي والإبداع، وهذا ما يفتقده الكثير من القيادات السياسية التي تقف مكتوفة الأيدي أمام لائحة لا تنتهي من المطالب المحلية؛ منها ما يتعلّق بالصحة والمسكن ومنها ما يرتبط بالتعليم وخفض نسبة البطالة وغير ذلك كثير.
وأمّا السبب الثاني، فليس أبعد من انحياز المنظمات الدولية إلى صف الكبار؛ علماً أنّ هذا الانحياز قد يكون مقصوداً وقد لا يكون كذلك؛ حتى إذا كان مقصوداً فلا يعدو كونه دَيْدَن المسيطِر في التحكّم بالمسيطَر عليه. وأمّا إذا كان غير مقصود! عندها لا تتطلّب المسألة أكثر من النظر إلى الصورة التي عليها تلك المنظمات اليوم، لنستنتج من غير عناء أو جهد لافت، أنّها لا تَنِي تلعب دوراً بارزاً في تعميق هوة الفجوة الرقمية بين دولة وأخرى، ولا ترضى إلّا أن تكون خادماً مطيعاً للكبار.
عولمة القواعد الرقمية على اتساع المدى
والآن، حان وقت الحديث عن السبب الثالث - وهو مرتبط بحبل متين بالسبب الثاني أو لعلّه نتيجة منطقية له - الذي يُحيلنا إلى عولمة القواعد الرقمية على اتساع المدى، فتشمل الجميع من غير استثناء، من دون مراعاة التفاوت البارز بين مَن يملك (المطوِّر) ومَن لا يملك (المستهلك التابع) مفاتيح التكنولوجيا أو قل بين بُنية تحتية متطوِّرة ومتماسكة وأخرى ضعيفة ومهلهلة. وثمة سبب رابع يقتضي الظرف الراهن الدلالة عليه والأخذ به. ويتمثل في العلاقة بين الجيومعلوماتية (Geo-informatics) كعلم وتقنية والفجوة الرقمية، لكن من وجهة نظر سياسية على وجه التحديد. وفي بيان تلك العلاقة بعمق واستواءً للفكرة، نَرانا مُلزَمين بالكشف عن مداخلة توجد بينهما.
وفي البحث عن أسرار تلك المداخلة، نجد أنّ امتلاك التقنيات الجيومعلوماتية من جانب الدول المتقدِّمة، ومن ثم القدرة على جمع وتحليل البيانات الجغرافية، يضمنان لها ميزة استراتيجية لدى اتخاذ أو صنع قرارات سياسية ذات طابع عالمي، من غير التفاتة تذكر ولو خاطفة إلى الدول النامية. وهكذا تُمهِّد الفجوة السياسية بين الدول لبروز فجوة رقمية، كما أنّ الفجوة الرقمية قد تُمهِّد الطريق لفجوة سياسية، ذلك أنّ العلاقة تبادلية بين هذه وتلك على نحو غالب.