مساراتٌ تُعبَّد بدم الشعوب... والوجهة: أمن إسرائيل الطاقوي
مساراتٌ تُعبَّد بدم الشعوب... والوجهة: أمن إسرائيل الطاقوي
خديجة رياض حَكيم

خبيرة قانونيّة في الشأن الدولي والبترولي

Tuesday, 28-Apr-2026 07:24

في هذه البقعة من العالم، حيث لا تهدأ الحروب بل تتكاثر، لم يعُد الشرق يُقرأ بخرائطه بل بارتجاجاته. فحدودنا لم تعُد خطوطاً ثابتة، بل موجاتٍ تُعاد صياغتها مع كل انفجار، وكل هدنة، وكل صمت مُريب. هنا، لا تُدار الوقائع كما تبدو، بل كما يُراد لها أن تُفهم؛ حيث يُصاغ القرار في طبقات لا تصلها الضوضاء، وتُحاك النتائج قبل أن تبدأ المعارك. فـ»الأمن» في شرقنا لم يعُد درعاً يحمي، بل أداةً تعيد تشكيل ما يفترض أن تحميه. تُستدعى مفرداته - كـ»مكافحة الإرهاب»، «حفظ الاستقرار»، «نزع السلاح» - لا كأهدافٍ نهائية للصراعات، بل كواجهةٍ لغوية لعملياتٍ أعمق: إعادة توزيع النفوذ الطاقوي، وإعادة رسم مجاله. فما يبدو صراعاً على الأرض، ليس في جوهره سوى صراعٍ على ما يمرّ عبرها وما يختزن تحتها.

وما يُقدَّم كحروب متفرّقة، ليس إلّا أجزاءً من مشهد واحد يُعاد تركيبه بهدوءٍ قاسٍ: مشهد تُعبَّد فيه المسارات بدم الشعوب... لتقود، في النهاية، إلى مَن يملك عقدة الأمن الطاقوي.

 

وانطلاقاً من هذا المسار، يتجاوز نفط وغاز الشرق الأوسط موقع المورد، ليغدو محرّك الصراع؛ إذ لا تعود قيمتهما في ما يُستخرج، بل في ما يُعاد ترتيبه حولهما. فهما قوّة تُعيد إنتاج الاقتصاد، تُفجّر بؤر التوتر، وتربط وقائع متباعدة ضمن نسق واحد. وعلى هذا الأساس، لا تعود الحروب أزمات متعاقبة، بل حلقات مترابطة في صراعٍ كوني على الموارد وسلاسلها والمسارات التي تمنحها معناها. وبهذا الترابط البنيوي، تنقلب الممرّات البحرية من قنوات عبور إلى مفاصل نظام. فتعطيلها لا يوقف التجارة فحسب، بل يُخلخل الإطار الذي تنتظم داخله حركة الإقتصاد العالمي. وهنا، تستعيد مقولة ألفرد ثاير ماهان، الاستراتيجي البحري الأميركي، حدّتها الحاسمة: «مَن يحكم أمواج البحر، يحكم العالم»، لا كشعارٍ بلاغي، بل كقانون فعلي يتجسّد في كل مضيق مضطرب، وكل مسار يُعاد توجيهه.

 

وفي قلب هذا النسق، تنتظم سلسلة الممرّات الحيوية، من هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى السويس، كوحدة عضوية واحدة لا تقبل التجزئة. وأي خلل في أحد أطرافها لا يبقى موضعياً، بل يتضخّم إلى أثرٍ كوني يعيد تسعير الطاقة في كلفتها وزمنها معاً؛ فتتصاعد أقساط التأمين، وتُعاد هندسة المسارات، وتتمدّد أزمنة العبور، وتتآكل هوامش الربح، فتُعاد صياغة سلاسل الإمداد من جذورها. عندئذٍ، لا يعود الطريق مجرّد ممر، بل يتحوّل إلى متغيّر حاكم يضبط إيقاع الاقتصاد العالمي واتجاهه، ويُعيد توزيع مراكزه بين من يملك التدفّق، ومَن يُجبر على دفع كلفته.

 

وعند هذه العتبة، لا تبقى الطاقة محكومةً بالممرّات وحدها، بل تمتد إلى ما تختزنه الأرض. فالمعادلة التي تُعيد تعريف الطريق، تُعيد في اللحظة نفسها توجيه البوصلة نحو المورد. وهكذا، لم تكن اكتشافات شرق المتوسط وقائع اقتصادية عابرة، بل لحظات كاشفة أعادت تركيب الإقليم من الداخل؛ إذ تحوّل كل حقل إلى بؤرة توتر، وكل احتياطي إلى معادلة قوّة تُعاد صياغتها. من تامار وكاريش إلى أفروديت، ومن الساحة السورية إلى غزة مارين، لم تعُد الموارد كامنةً تحت الأرض، بل صارت فوقها، مسرحاً مفتوحاً لصراعات تُعاد عبرها رسم المنطقة بأسرها.

 

وفي هذا الامتداد، لم تعُد السيادة في امتلاك الحقل فقط، بل في إحكام السلسلة التي تمنحه قيمته - من الاستخراج إلى الحماية، ومن النقل إلى التأمين، ومن التسعير إلى التسليم. فمالكُ المورد بلا مسارٍ يختزن قيمةً معطّلة، ومالكُ المسار بلا موردٍ يملك عبوراً بلا مادة. أمّا مَن يملك العقدة، حيث يلتقي المورد بالطريق، فلا يبيع الطاقة فحسب، بل يحتكر الوصول إليها ويُعيد تعريف قيمتها واتجاهها، فيحوّل التدفّق إلى سلطة، والمرور إلى سيادة.

 

ومن هنا، يُستعاد التصوّر الاستراتيجي الذي صاغه ديفيد بن غوريون، مؤسّس دولة الاحتلال الإسرائيلي وأول رئيس وزرائها، حين ذهب إلى أنّ القوة لا تُبنى على وفرة المورد فحسب، بل على امتلاك المسار الذي يمنحه معناه. فلم تنصبّ رؤيته على أن تكون الدولة منتِجةً للطاقة فحسب، بل أن تتحوّل إلى عقدةٍ يُعاد عندها تشكيل المسارات؛ حيث لا تمرّ الطاقة عبرها فقط، بل يُعاد تعريف طريقها من خلالها، وتُضبط إيقاعات تدفّقها وفق شروطها. وعلى هذا الأساس، لم يكن طرحه لمشروع قناة بن غوريون، بوصفه بديلاً عن قناة السويس، مجرّد تصوّرٍ هندسي، بل تعبيراً مكثّفاً عن محاولة نقل مركز الثقل في حركة الطاقة والتجارة نحو إسرائيل؛ ليس بفتح ممر جديد فحسب، بل بإعادة تعريف الطريق، فيغدو العبور مرتبطاً بها لا مستقلاً عنها، وتغدو هي العقدة التي يُعاد عندها توزيع الاتجاهات وتحديد كلفة المرور وزمنه.

 

وفي ضوء هذه الرؤية، تكتسب «مناطق العزل» في غزة ولبنان وسوريا دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر. فهي لا تُرسم كخطوط فصل أمنية، بل كأدوات لإعادة تشكيل المجال المرتبط بالطاقة ومساراتها. ففي جنوب لبنان، يمتدّ الخط الأمني الذي أطلقت عليه إسرائيل تسمية «الخط الأصفر»، بإسقاطاته نحو البحر، ليتقاطع مع الحسابات الطاقوية وحدود البلوكات البحرية اللبنانية الجنوبية، فيغدو حقل قانا داخل دائرة ضغط إسرائيلي لا يمكن تفسيرها بمنطق الأمن وحده.

 

وفي غزة، يتحوّل الامتداد الأمني لمنطقة العزل نحو الساحل، إلى عنصر حاسم في تحديد مستقبل حقل غزة مارين؛ فتغدو المنطقة العازلة أداةً للتحكّم بالوصول إلى المورد ذاته. بل يتجاوز ذلك ليغدو ساحل غزة، في منطق هذه الرؤية، ممراً بديلاً محتملاً لـ»قناة بن غوريون»، لا سيّما في ظل اضطرابات متصاعدة تُهدّد بشل المضائق القائمة.

 

وإذا كانت الحكمة القديمة تقول إنّ كل الطرق تؤدّي إلى روما، فإنّ ما يتشكّل اليوم يوحي بأنّ صراعات الشرق الأوسط، على اختلاف شراراتها وتباين ساحاتها، تتّجه، في محصّلتها نحو نقطة واحدة هي ترسيخ تموضع إسرائيل بوصفها عقدةً مركزية في معادلة الأمن الطاقوي بحلول عام 2050، وهو ما تعزّزه اتجاهات بحثية صادرة عن مراكز ودراسات إسرائيلية منذ عام 2020.

 

فأيّ عالم هذا الذي لا يُعاد رسمه إلّا فوق دم الشعوب، وأيّ طريق ذاك الذي لا يُفتح إلّا حين يُغلق على مَن يسكنه؟ وإلى متى سنظل نُحدِّق في دخان الصراع الكثيف، كأنّه قدر لا يُسأل، ونُمعِن في إدارة الوجوه عن أسبابه، كأنّ كشفها أخطر مَن اشتعاله؟

theme::common.loader_icon