أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع مصدر مهمّ للغاز الطبيعي المُسال، لكن من غير المرجّح أن تعوّض الولايات المتحدة، أكبر مُصدِّر لهذا الوقود، هذا النقص، لأنّها لا تمتلك طاقة فائضة. وقد تسبَّب توقفٌ دام شهرَين في شحنات الغاز الطبيعي المُسال من قطر، الدولة الواقعة في الخليج الفارسي بالقرب من المضيق، في ارتفاع الأسعار عبر أوروبا وآسيا. وهذا يُلحق ألماً اقتصادياً كبيراً، لأنّ أماكن مثل إيطاليا وتايوان وكوريا الجنوبية تعتمد على هذا الوقود لإنتاج الكهرباء وتدفئة المنازل وتشغيل المصانع الصناعية.
هذه هي المرّة الثانية خلال أقل من 5 سنوات التي تتعرَّض فيها أسواق الغاز الطبيعي العالمية لاضطراب شديد. ففي عام 2022، بدأت روسيا في خنق إمدادات الغاز عبر الأنابيب التي كانت ترسلها إلى الدول الأوروبية بالتزامن مع غزوها لأوكرانيا.
وقد سارعت الشركات الأميركية إلى إنقاذ أوروبا، ومن المتوقع أن تُدخل طاقات جديدة من الغاز الطبيعي المُسال إلى الخدمة خلال الأشهر والسنوات المقبلة. لكنّ المحلّلين قالوا إنّ هذه الجهود لن تكون كافية بأي حال لتعويض فقدان الغاز القطري، إذا لم يُعاد فتح المضيق قريباً، ما سيجبر المستوردين على تقنين الاستهلاك واللجوء إلى مصادر طاقة أخرى.
وأوضح ماسيمو دي أودواردو، نائب رئيس أبحاث الغاز والغاز الطبيعي المُسال في شركة «وود ماكنزي»، وهي شركة أبحاث طاقة: «كل الغاز الطبيعي المُسال الذي يُصدَّر من الولايات المتحدة يعمل بكامل طاقته».
ومنذ اندلاع الحرب في إيران في 28 شباط، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المُسال المشحون إلى أوروبا وآسيا، لتصل إلى ما يصل إلى 6 أضعاف سعر الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة. وفي الأشهر التي سبقت الحرب، كانت أقل من 4 أضعاف.
بدائل أميركية لحاجاتها الخاصة
وتبني الولايات المتحدة محطات تصدير عدة يُبرَّد فيها الغاز الطبيعي إلى 260 درجة فهرنهايت تحت الصفر، ما يحوِّله إلى سائل يمكن تحميله على ناقلات عابرة للمحيطات. لكنّ هذه المشاريع، ومعظمها في تكساس ولويزيانا، تكلّف مليارات الدولارات وتستغرق سنوات عدة لإتمامها.
يوفّر الغاز الطبيعي نحو ربع الطاقة العالمية، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة. وقد ارتفع الطلب عالمياً بالتوازي مع استخدام الكهرباء، مدفوعاً جزئياً بمراكز البيانات المستخدمة في تطوير الذكاء الاصطناعي. كما تستخدم بعض الدول الغاز الطبيعي، الذي يتكوَّن في معظمه من الميثان، لاستبدال الفحم وتوفير الطاقة عندما لا تكون الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح كافية.
لكنّ استيراد الغاز الطبيعي المُسال مكلف حتى في أفضل الأوقات. إذ يتعيّن على الدول بناء محطات لإعادته إلى حالته الغازية، وأنابيب لنقله من السواحل إلى محطات الكهرباء والمنازل والمصانع. والآن تجعل الحرب الاعتماد على هذا الوقود أكثر تكلفة بكثير.
ولا تزال الولايات المتحدة وإيران في حالة مواجهة بشأن مضيق هرمز، إذ تفرض القوات الأميركية حصاراً على السفن المرتبطة بإيران، بينما تعرقل إيران فعلياً السفن التي تنقل النفط والغاز الطبيعي المُسال وسلعاً أخرى، من الخليج الفارسي إلى بقية أنحاء العالم.
وقد تسبَّبت الحرب في توقف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المُسال في منشأة رأس لفان، إحدى أهم الأصول الطاقوية في المنطقة. ولاحقاً، ألحقت الصواريخ أضراراً بنسبة 17% من قدرة المنشأة.
ويكرّر مسؤولون في قطاع الغاز، أنّهم متفائلون بأنّ الطاقات الجديدة قيد الإنشاء ستُخفِّف في نهاية المطاف من الضغوط. لكنّ المحلّلين يحذّرون من أنّ إغلاقاً مطوَّلاً للمضيق، الذي يمرّ عبره 20% من إجمالي الغاز الطبيعي المُسال، وأعمال إصلاح تستغرق سنوات في رأس لفان قد تُبقي أسعار الغاز مرتفعة لفترة طويلة.
وبالإضافة إلى ذلك، قد تؤدّي الأضرار التي لحقت بعمليات تصدير الغاز في قطر إلى تأخير نمو إمدادات الغاز الطبيعي المُسال لمدة لا تقل عن عامَين، مقارنة بما كان متوقعاً قبل الحرب، بحسب ما ذكرت الوكالة الدولية للطاقة يوم الجمعة.
وكانت القارة الأميركية الشمالية عموماً تقود النمو العالمي في الغاز الطبيعي المُسال، إذ وفّرت ثلاثة أرباع الزيادة في الإمدادات العام الماضي، وفقاً للوكالة. وتُعدّ أستراليا أيضا مُصدِّراً كبيراً.
محاولات أوروبية لسد الفجوة
وقد شرعت شركات الطاقة في البحث عن مزيد من احتياطيات الغاز حول العالم. وأعلنت شركة «شِل»، ومقرّها لندن، يوم الاثنين، عن استحواذ بقيمة 16,4 مليار دولار على شركة ARC Resources، وهي شركة كندية تنتج الغاز الطبيعي في ألبرتا وكولومبيا البريطانية. ويُصدَّر جزء من هذا الغاز كغاز طبيعي مُسال من محطة على ساحل كولومبيا البريطانية.
وقد صدّرت المحطات الأميركية ما يقرب من 18 مليار قدم مكعّب يومياً في آذار، وهو مستوى قريب من الرقم القياسي المسجَّل في كانون الأول، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة. ولا تستطيع هذه المحطات بسهولة تصدير كمّيات أكبر بكثير من دون تأجيل أعمال الصيانة الدورية، وتسريع بدء تشغيل مشاريع جديدة.
ومن المتوقع أن ترتفع الصادرات الأميركية بنسبة 18% هذا العام و10% العام المقبل، وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة. وتُخطِّط 5 محطات جديدة للغاز الطبيعي المُسال لبدء التشغيل بحلول نهاية العام المقبل.
ويؤكّد مسؤولون تنفيذيّون في القطاع، أنّ استثمارات الولايات المتحدة في الغاز الطبيعي قد وضعت البلاد في موقع يسمح لها بالحفاظ على أسعار محلية منخفضة لفترة طويلة حتى مع ارتفاع الصادرات. وتشير بعض التوقعات إلى أنّ أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة قد تبقى ضمن نطاق يتراوح بين 3 و4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لعقود.
وأكّدت كارين هاربرت، رئيسة والمديرة التنفيذية للجمعية الأميركية للغاز: «من منظور صناعة الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، نحن في وضع جيد جداً اليوم وغداً ولفترة طويلة في المستقبل البعيد».
لكنّ بعض المحللين يرَون أنّ الأسعار في الولايات المتحدة قد ترتفع لتصل إلى 5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، إذا بنت شركات الطاقة كل طاقات التصدير التي تخطِّط لها.
الصين أحد أكبر المستفيدين
وأوضح ماثيو أوتينغ، المحلل الرئيسي للغاز الطبيعي والغاز الطبيعي المُسال في شركة «ريستاد إنرجي»، وهي شركة أبحاث واستشارات: «على المدى الطويل، لا يوجد عرض كافٍ عند مستوى الأسعار الحالي لاستيعاب كل التوسع في طاقات الغاز الطبيعي المُسال والطلب على الغاز لتوليد الكهرباء من مراكز البيانات».
وإذا ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة وبقية أنحاء العالم، فقد تُقرِّر بعض الدول، أنّ الاستثمار بشكل أكبر في الطاقة المتجدِّدة والبطاريات الكبيرة هو الخيار الأفضل. وذكر تقرير صادر عن «إمبر إنرجي»، وهي مجموعة أبحاث غير ربحية، أنّ الصين صدّرت أعداداً قياسية من الألواح الشمسية في آذار، ما يشير إلى أنّ بعض الدول بدأت بالفعل تتحرَّك في هذا الاتجاه.
وأعلنت الوكالة الدولية للطاقة، أنّ الاضطرابات التي تسبَّبت فيها الحرب دفعت بعض الدول الآسيوية إلى التحوُّل إلى وقود آخر. وتشير بيانات أولية، إلى أنّ استخدام أوروبا للغاز الطبيعي في آذار انخفض بنحو 4% مقارنةً بالعام السابق. وقد استخدم قطاع الكهرباء في المنطقة كمّيات أقل من الغاز، مع تحقيق زيادة قوية نسبياً في إنتاج طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية.
وأوضحت جولي ماكنمارا، مديرة سياسة الطاقة الفيدرالية في اتحاد العلماء المعنيِّين: «كل دولة تعتمد على الغاز الطبيعي المُسال اليوم تُعيد بالتأكيد تقييم هذه العلاقة. فهذا وضع هش للغاية بالنسبة لأي دولة».