الأمين العام لجمعية مصارف: الأولوية لحماية الاحتياط
الأمين العام لجمعية مصارف: الأولوية لحماية الاحتياط
Wednesday, 29-Apr-2026 12:01

كتب الأمين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور فادي خلف في افتتاحية التقرير الشهري للجمعية:

 

"في الأزمات، يتضاعف ضغط الشارع والإعلام والسياسة، وتكثر محاولات تسويق حلول سريعة تحت عنوان "الاستقرار". لكن التجربة اللبنانية علّمتنا درساً واحداً لا يجوز تجاهله: أي استقرار يُموَّل من حقوق المودعين هو استقرار موقّت، يشتري وقتاً قصيراً ويُراكم أزمة أطول. ومن هنا، يجب تثبيت قاعدة واضحة: الاستقرار لا يُشترى باستنزاف الاحتياط بالعملات الأجنبية العائد لحقوق المودعين والمصارف.

 

أولاً: تحديد الإطار… منعاً لأي التباسٍ

 

القضية ليست سجالاً ولا تبادلاً للاتهامات، بل مسألة حقوق: للدولة حساباتها وموجباتها ضمن مؤسساتها، ولمصرف لبنان مطالباته تجاه الدولة، وهذا شأن يُعالج بين الدولة ومصرف لبنان. أمّا أموال المصارف، أي أموال المودعين لدى مصرف لبنان، فهي حقوق خاصة لا يجوز تحويلها إلى "هامش قابل للاستهلاك" تحت ضغط الحرب أو أي ظرف استثنائي. 

 

 

ثانياً: ثلاث حقائق يجب الوقوف عندها:

1-الاحتياطي ليس صندوقاً عاماً مفتوحاً يُستعمل عند الحاجة، بل هو آخر هامش متبقٍ لحقوق المودعين، وأي مساس به يضرب إمكانية استرداد الودائع اليوم وغداً.

 

 2- الظروف الاستثنائية لا تُسقط الحقوق: الحرب ترفع المخاطر، لكنها لا تُحوِّل حقوق الناس إلى أموال قابلة للاستهلاك. المطلوب حماية ما تبقّى، لا إعادة استنزافه

 

3- الاستنزاف لا يصنع استقراراً: قد تنجح التدابير مرحلياً في الحدّ من التقلّبات أو تهدئة الأسواق، لكن حذار أن يصبح الثمن تبديد ما تبقّى من حقوق المودعين. فذلك لن يكون استقراراً… بل تأجيلاً لأزمة إضافية مع مضاعفة كلفتها.

 

ولتفادي أي التباس أو توظيف، لا بدّ كذلك من تثبيت أمرين ملازمين لهذه الحقائق:

 

 1- استبعاد استعمال ما تبقّى من الاحتياطي العائد عملياً لحقوق المودعين ضمن أي سياسة نقدية أو مالية، لأن ذلك ليس خياراً تقنياً بل شرط بقاء اجتماعي، لأنه يمس بالأموال التي تؤمّن عبر التعاميم الحد الأدنى من الاحتياجات الشهرية لمئات آلاف العائلات.

 

2- إظهار صورة مفصّلة عن مكونات الاحتياطي: ما هو المتاح فعلاً؟ ما هو المخصّص للمصارف وحقوق المودعين؟ وما هو العائد لحسابات الدولة؟ لأن الشفافية هنا ليست تفصيلاً بل ضمانة لمنع الالتباس والتوظيف. 

 

ثالثاً: أين الخطر العملي اليوم؟

 

الخطر يبدأ إذا ما أصبح الاحتياطي خياراً سهلاً لتمويل الطوارئ في زمن الحرب، لأن الاستقرار الاقتصادي والنقدي لا يُبنى على حرق أموال المودعين. وهنا لا بد من التذكير بحقيقة تقنية يعرفها كل من يقرأ المعايير الدولية: استعمال احتياطي المصارف المركزية لفترات طويلة يستهلك حكماً مقدراتها ويُضعف قدرتها على الصمود.

 

رابعاً: البديل العملي الفعلي

 

إذا كان الهدف فعلاً حماية الاستقرار الاقتصادي والنقدي، فإن البديل العملي لا يبدأ من "حلولٍ ظرفية" تُموَّل من الاحتياطي، بل يبدأ من تأمين الاستقرار السياسي والأمني. فالاقتصاد لا يستعيد عافيته في بيئةٍ يتراجع فيها الأمان، ولا تنتظم الأسواق في مناخٍ تتبدّل فيه التوقعات كل يوم مع التطوّرات الميدانية. لأنه في ظل غياب الاستقرار السياسي والأمني المطلوب، تتعطّل القرارات الإصلاحية، تتراجع الثقة، وتصبح أي إجراءات نقدية مجرّد إدارة مؤقتة للأزمة لا علاجاً لها. من هنا، فإن حماية الاحتياط ليست فقط موقفاً مالياً، بل هي أيضاً قرار سيادي عقلاني يربط بين النقد والاستقرار العام: يمنع الاستنزاف، ويحمي ما تبقّى من حقوق المودعين، إلى أن تتوافر الشروط الأساسية لأي تعافٍ فعلي.

 

في الخلاصة

 

لسنا أمام خيار بين الاستقرار وحقوق المودعين. الاستقرار الذي يُبنى على أموال المودعين ليس استقراراً، بل مشروع لانفجار اقتصادي واجتماعي مؤجّل. ولأنّ للدولة ودائعها في مصرف لبنان وللمصارف احتياطاتها، فحذار من الخلط بينهما تحت أي ظرف أو عذر كان. الاستقرار لا يُشترى باللجوء إلى احتياطي المصارف، لأننا جرّبنا هذا الطريق ونعرف تماماً إلى أين يقود".

theme::common.loader_icon