بين التفاوض والسيادة: نحو عقدٍ وطني عادلٍ
بين التفاوض والسيادة: نحو عقدٍ وطني عادلٍ
جبران باسيل
Thursday, 30-Apr-2026 06:36

وقعتُ قبل أيام على مقطع مصوَّر لسماحة الإمام المغيَّب موسى الصدر، يحذِّر فيه من اشتعال جبهة الجنوب بعد اتفاق القاهرة في سبعينات القرن الماضي، إثر انتقال المقاومة الفلسطينية إليه بموافقة الحكومة اللبنانية وبغطاء عربي، ويعترض فيه على أنّ الجنوب ومعه لبنان، يدفعون أثماناً باهظة جرّاء ذلك. إذاً، كلام الإمام حينها لم يكن شهادة عابرة، بل هو تحذيرٌ تاريخيٌّ يتجدّد صداه اليوم.

إنّ الفترة الأخيرة من حياة لبنان لا يمكن أن تمرّ من دون مراجعة شاملة لما نحن فيه، واستشراف لما يجب أن نصبح عليه.

 

دماء الشهداء، وآلام الجرحى، والبيوت المهدّمة عمداً، والتضحيات التي بذلها أهل الأرض لا يجوز أن تضيع، بل يجب أن تتحوَّل إلى قوّة وطنية تُترجم في تثبيت حقوقنا الكاملة، وترسيخ أمننا وسيادتنا. من هنا، يصبح التفاوض خياراً مسؤولاً، لا من موقع الضعف، بل كمسارٍ متكاملٍ لاستثمار هذه التضحيات في معركة استعادة ما سُلب من لبنان.

في لحظةٍ إقليميةٍ شديدة التعقيد، يقف لبنان أمام مفترق حاسم: إمّا أن يدير موقعه كدولة ذات سيادة، أو يُترك وحيداً لفرض الشروط عليه.

بناءً عليه، نؤكّد قبول مبدأ التفاوض مع إسرائيل، كأداة لاستعادة الحقوق لا للتفريط بها. أمّا شكل التفاوض فهو شأنٌ آخر. إنّه أمرٌ تكتيكيٌّ وله شروطه وظروفه.

 

نقبل التفاوض، لكن من موقع المعتَدى عليه وغير المستسلم، وبسقف واضح: انسحاب كامل للجيش الإسرائيلي من كامل أراضينا المحتلّة ووقف لجميع أشكال الاعتداءات، واستعادة سيادتنا التامة برّاً وبحراً وجوّاً، وحماية ثرواتنا الطبيعية وحقّنا في استثمارها، وفي مقدّمها الغاز والنفط والمياه. كل ذلك ضمن الحدود المعترف بها دولياً، بما فيها اتفاق الترسيم البحري المُنجَز، وفوق كل ذلك تثبيت حقّ المواطنين المهجّرين بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم بلا قيد أو شرط، مدعومين بخطة للعودة وبقرار لإعادة إعمار ما تهدّم ومطالبة إسرائيل بالتعويضات المحقّة.

 

كذلك نقبل التفاوض شرط أن يُحصر في إطار قنوات ديبلوماسية وعسكرية، ومن دون أي تنازل يمسّ السيادة، ومن دون أن يتحوَّل إلى تنسيق سياسي أو اعتراف مجاني أو إلغاء لحال الحرب من دون ضمانات، وقبل الوصول إلى اتفاق سلام عادل.

إنّ لبنان حالياً في حال حرب مع إسرائيل، ونحن نريد إنهاءها والوصول إلى السلام، ولكن قبل ذلك لا بدّ من أن ندخل مساراً تفاوضياً سليماً تتحقّق فيه مطالبنا وحقوقنا. وللتفاوض شروطه مع الخارج، وأصوله الدستورية في الداخل، أكان في رئاسة الجمهورية أو الحكومة أو مجلس النواب.

 

أمّا قوّة لبنان التفاوضية فتبدأ من وحدته الداخلية، وتحصين موقفه يمرّ حتماً بتعزيز مناعته. ومن هذا المنطلق، ندعو "حزب الله" إلى مقاربة أكثر تبصُّراً لمخاوف شريحة واسعة من اللبنانيين، وعدم الاستخفاف بها. فالمطلوب منه إعلان خطوة متقدّمة نحو الالتزام الكامل بمقتضيات الدولة الحامية، العادلة، والمحايدة عن صراعات المحاور، وعبر التسليم أولاً بحتمية حصر السلاح والقرار بيد الدولة. وندعو بقيّة اللبنانيِّين إلى تفهُّم مخاوف وهواجس البيئة الشيعية، الخارجية والداخلية، وإلى التعاطي معها بحرص واستيعاب ومحبّة.

إنّ حماية لبنان تستوجب التوافق الداخلي واستعادة ثقة اللبنانيِّين بدولتهم، كما تفترض دعماً عربياً ودولياً، لأنّه لا مصلحة للبنان أن يُترك وحيداً في مواجهة إسرائيل، ولا أن تُفرض عليه شروط تمسّ بجوهر كيانه، من توطين الفلسطينيِّين، إلى إعادة ترسيم الحدود بشكل مجحف، أو فرض وقائع أمنية خطيرة، كإقامة نقاط إسرائيلية ثابتة في الجنوب، أو شرعنة خرق الأجواء تحت أي ذريعة. هذه ليست تفاصيل تفاوضية، بل خطوط حمراء سيادية.

 

لقد اعترضنا بوضوح على حروب الإسناد التي جرت تحت عناوين إقليمية، سواء باسم الدفاع عن غزة أو عن إيران، وهذا حق سياسي ووطني مشروع. لكن ذلك لا يعني تبرير أي عدوان إسرائيلي على لبنان. ومثلما نرفض توريط لبنان في حروب لا تخدم مصلحته، كذلك نرفض أي محاولة لتصوير إسرائيل كحليف للدولة اللبنانية في مواجهة جماعة لبنانية. هذا طرحٌ خطير، لا يمكن أن يرتضيه أي لبناني عاقل؛ فـ"حزب الله"، على رغم من اختلافنا معه في خيارات أساسية داخلية وخارجية، يبقى جزءاً من النسيج اللبناني، ولا يجوز التعامل معه بمنطق الحذف الجسدي أو الإلغاء السياسي أو الاستعداء الخارجي.

وفي السياق نفسه، يتوجّب على لبنان الرسمي، بدل اللهث وراء مفاوضات مباشرة قد يكون أحد أوجهها عاراً على لبنان، أن يتوجّه أولاً إلى محكمة الجزاء الدولية واتهام إسرائيل بجرائم الحرب المتكرّرة والمتمادية التي ترتكبها ضدّ لبنان، وهو ما يضيف إلى ملف لبنان الرسمي ورقة تفاوضية قوية على مستوى القانون الدولي.

 

أمّا في ما يخصّ السلام، فنحن مع السلام الحقيقي، كما بشّر به السيّد المسيح. غير أنّ هذا السلام لا يكون حقيقياً ومستداماً إلّا إذا كان عادلاً، يضمن الحقوق في السيادة والأرض والأمن للبنان، ويضمن الأمن كذلك لإسرائيل، وهو ما نصّت عليه المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت 2002، والتي تضمن أيضاً حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، وتضمن حقوق جميع الأطراف. وعليه، يكون من باب التبسيط عزل أي مسار سلام بين لبنان وإسرائيل عن الإطار الأوسع للسلام العربي-الإسرائيلي، وهو إطار عربي واجب على العرب تأمينه لاحتضان لبنان وحقه بالعيش بسلام، بعدما دفع بالنيابة عن الجميع ثمن الصراع العربي-الإسرائيلي.

 

بالتوازي، تبرز الحاجة إلى إعادة إنتاج عقد وطني جديد، يقوم على العيش المشترك الفعلي وحسن إدارته. عقدٌ يُعيد بناء دولة حقوق وقانون ومؤسسات ومساءلة، ولا يُعيد إنتاج منظومة محاصصة. غير أنّ هذا العقد لن ينجح إذا أعاد توليد الهواجس الوجودية، وخصوصاً لدى المسيحيِّين.

لقد أظهرت التجارب، لا سيّما بعد اتفاق الطائف، أنّ أي خلل في التوازنات أو شعور بالاستهداف يهدّد الاستقرار. واليوم، يبرز قلق مشروع من أن تأتي أي تسوية جديدة على حساب التمثيل والدور، في ظل مناخ إقليمي يُقدّم الأولويات الأمنية على الاعتبارات الدستورية والوطنية.

 

من هنا، نؤكّد أنّ أي تسوية تُفرَض من الخارج، أو تقوم على مقايضات سلطوية لن تعيش. كما أنّ أي محاولة لمقايضة السلام بامتيازات داخلية ستُعيد لبنان إلى انقسام عمودي خطير بين مكوّناته.

أمّا المطلوب فهو معاكس تماماً، أي إطلاق مشروع وطني جامع يُعيد بناء الثقة، ويؤسس لدولة قادرة. وللحقيقة، فإنّ من مصلحة الطائفة الشيعية أن يعلن "حزب الله" استعداده للانخراط الكامل في الدولة، ومصارحة اللبنانيِّين بالضمانات المطلوبة لحماية لبنان والحفاظ على سيادته. وعلينا نحن في الدولة، وعبر "مقترح حماية لبنان" تأمين كافة شروط الحماية والسيادة، باعتبار أنّ حصر السلاح والقرار بيد الدولة بات من المسلّمات، ولازمة أزلية السلاح وأبديّته باتت مصدر أذى وخطر على لبنان وصيغته.

 

لبنان لا يُبنى بالغلبة، ولا يُحمى بالانقسام، ولا يُنقذ بالارتهان. وحدها الدولة القوية، العادلة والجامعة، قادرة على ترسيخ الاستقرار وتحقيق السلام الحقيقي، ولنا في ذلك حديث طويل...

theme::common.loader_icon