في خضمّ الإنشغال الحكومي بالملفات الأمنية، يتقدّم هاجس الاستقرار على ما عداه، فتتراجع القضايا الأساسية إلى الصفوف الخلفية، وفي مقدّمها ملف ما بات يُعرف بـ"سرقة العصر". هذا الانصراف، وإن بدا مفهوماً في لحظة توتّر، يحمل في جوهره خطراً مضاعفاً: ليس فقط لأنّه يؤجّل الحلول، بل لأنّه يبعث برسالة واضحة إلى المسؤولين عن الانهيار، مفادها أنّ الوقت كفيل بتمييع القضية، وأنّ الذاكرة الجماعية يمكن أن تُستنزف حتى النسيان.
بهذا المعنى، فإنّ إهمال هذا الملف لا يُعدّ تقصيراً فحسب، بل يتحوَّل إلى شكل من أشكال الحماية للمتورّطين، وخصوصاً أصحاب المصارف الذين استفادوا من غياب المساءلة ومن ضبابية المشهد العام. فحين تغيب المحاسبة، يُعاد إنتاج المنظومة نفسها، ويُفتح الباب أمام تكرار الانهيار بأشكال مختلفة.
ما جرى في لبنان لم يكن أزمة عابرة، بل نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المالية والنقدية الخاطئة، وسوء الإدارة، وغياب الشفافية. النتيجة كانت كارثية: أموال مودعين محتجزة، تعويضات تبخّرت، وصناديق انهارت أو باتت عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها. ومع ذلك، لا يزال التعامل مع هذه الكارثة يتمّ وكأنّها ملف ثانوي يمكن تأجيله إلى حين "انتهاء الظروف".
لكن، هل يمكن فعلاً تأجيل العدالة؟ وهل يمكن لأي دولة أن تستعيد عافيتها فيما حقوق مواطنيها منهوبة؟
التجربة اللبنانية نفسها تقدِّم مثالاً واضحاً حول كيف يجب التعاطي مع الأزمات الكبرى. تمّ إنشاء "مصلحة الإغاثة والتعمير" لمعالجة الآثار التي تسبَّب بها زلزال وفيضان عام 1956. وبعد الحرب الأهلية، استُحدِثت وزارة للمهجّرين لمعالجة آثار النزوح والدمار. إنّ هذه الخطوات شكّلت اعترافاً رسمياً بوجود قضية تستدعي معالجة استثنائية وأدوات مؤسساتية مخصّصة.
اليوم، نحن أمام واقع أكثر خطورة وتأثيراً: نحن أمام مواطنين فقدوا جنى أعمارهم، ومتقاعدين خسروا ضماناتهم، وموظفين تبخّرت تعويضاتهم، وشلل للإقتصاد اللبناني. هذه الكارثة أصابت تقريباً جميع اللبنانيِّين، ما عدا قلّة كان عندها معلومات مسبقة ساعدتها المصارف في تهريب أموالها، في مقابل الحصول على الحماية، وليربحوا سكوتهم في مواجهة هذه الجريمة.
من هنا، لا يكفي التذكير بخطورة الملف، بل يجب الإنتقال إلى طرح حلول عملية تعكس حجم الكارثة. وفي هذا السياق، نقترح استحداث وزارتَين متخصَّصتَين:
أولاً، وزارة لشؤون المودعين، تكون مهمّتها الأساسية إدارة هذا الملف بشكل صارم وشفاف، ووضع خطة واضحة لإعادة جميع الودائع من دون استثناء (فلا عذر ليبقى أي مال لدى المصارف تمّ ائتمانها عليها)، والتفاوض باسم المودعين، ومتابعة كل المسارات القانونية والمالية المرتبطة بحقوقهم. إنّ وجود جهة رسمية متفرّغة لهذا الملف، من شأنه أن ينقله من حالة الضياع إلى مسار مؤسساتي واضح.
ثانياً، وزارة لصناديق التعاضد والضمان، تُعنى بإعادة هيكلة الصناديق المتعدّدة، من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي إلى صناديق التعاضد المختلفة، إذ تعاني من اختلالات عميقة تهدّد حقوق المنتسبين إليها، وخصوصاً تلك المرتبطة بالأموال التي احتجزتها المصارف. هذه الوزارة يجب أن تعمل على توحيد المعايير، تعزيز الشفافية، وضمان استدامة هذه الصناديق. ونقترح أن تتولّاها القاضية السابقة غادة عون، لما تتمتع به من سجل في مكافحة الفساد وطرح الملفات الحساسة بشفافية.
غير أنّ إنشاء هاتَين الوزارتَين، على أهمّيته، لا يكفي ما لم يترافق مع مسار قضائي واضح وحاسم. لذلك، يصبح من الضروري إنشاء محكمة خاصة لمتابعة هذا الملف، تتولّى التحقيق، كشف الحقائق، ومحاسبة المسؤولين. محكمة يرأسها قاضٍ مشهود له بالنزاهة والاستقلالية، هذه المحكمة التي يجب أن تكون مستقلة وتملك صلاحيات واسعة، هدفها تسريع الحلول وخلق مسار سريع يختلف عن القضايا في المحاكم العادية التي تبقى سنوات من دون إصدار أحكام، فمن الضروري أن تنتهي من عملها بأقل من سنة.
إنّ أخطر ما يمكن أن يحصل اليوم، هو تحويل هذه القضية إلى "أمر واقع" يُتعايش معه، أو إلى ذكرى مؤلمة يتمّ تجاوزها مع الوقت. هذا يشكّل جريمة كبرى لكل مسؤول أهمل هذه القضية. فالدول لا تُبنى على النسيان، بل على المحاسبة والعدالة. وأي محاولة لتهميش هذا الملف هي، في جوهرها، مشاركة في طمس الحقيقة.
المطلوب اليوم، ليس فقط إدارة الأزمات الأمنية، بل إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالأمن الحقيقي لا يتحقق فقط بغياب التوتر، بل بوجود عدالة، وبشعور المواطن أنّ حقوقه مصانة، وأنّ مَن اعتدى عليها سيُحاسب.
لبنان لا يحتاج إلى إدارة موقتة للأزمات، بل إلى مواجهة جذرية لأعداء الداخل. وأولى هذه المواجهة تبدأ من هنا: من رفض النسيان، ومن الإصرار على أنّ "سرقة العصر" لن تمرّ بلا حساب.