ترامب وبوتين يتحادثان وأوكرانيا تكتفي بهزّ الكتفَين
ترامب وبوتين يتحادثان وأوكرانيا تكتفي بهزّ الكتفَين
كونستان ميهو- نيويورك تايمز
Friday, 01-May-2026 07:07

فشلت لأكثر من سنة من المحادثات المماثلة في تقريب البلاد من السلام، لذا توقّف الأوكرانيّون عن التعويل عليها. وخلال جزء كبير من عام 2025، كان أي اتصال هاتفي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمناقشة إنهاء الحرب في أوكرانيا، يثير قلق كييف. وكان المسؤولون الأوكرانيّون يخشون أن تُساوَم بلادهم من قِبل رئيس أميركي يميل إلى مجاراة نظيره الروسي. وبعد كل مكالمة، كانوا يسارعون لمعرفة ما الذي قيل، وغالباً ما كانوا يتحرّكون لاحتواء التداعيات.

أمّا الاتصال الذي جرى، الأربعاء، بين ترامب وبوتين، وهو الأول هذا العام، فقد قوبل بردّ فعل مختلف بشكل ملحوظ في كييف: ليس هلعاً، بل لا مبالاة.

وفي معرض تعليقه على الخبر أمس، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أنّه وجّه فريقه لتوضيح ما الذي جرى بحثه خلال الاتصال، بما في ذلك مقترح لوقف إطلاق نار قصير الشهر المقبل، قبل أن يقرّر خطوته التالية. ولم يلمّح إلى أنّه سيسعى لإجراء اتصال خاص به مع ترامب، أو أنّه سيتشاور مع الحلفاء الأوروبيِّين - وهي طقوس كانت مألوفة في السابق بعد محادثات بين واشنطن وموسكو استُبعِدت منها كييف.

 

لامبالاة أوكرانية

وبحلول صباح أمس، بالكاد لاقى خبر الاتصال صدى يُذكر على مواقع الأخبار الأوكرانية. واعتبر مسؤولون ومحلّلون أوكرانيّون، أنّ اللامبالاة النسبية في أوكرانيا تجاه اتصال ترامب-بوتين لها تفسير بسيط. فبعد أكثر من عام من محادثات مماثلة لم تُحرّك عجلة مفاوضات السلام، توقّف الأوكرانيّون عن تعليق مخاوفهم - أو، في بعض الحالات، آمالهم - على مثل هذه الاتصالات.

 

وأكّد أوليكساندر ميريجكو، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني وعضو حزب زيلينسكي: «لم نعُد نولي هذه الاتصالات اهتماماً كبيراً، لأنّها لا تُنتج أي نتائج ملموسة».

ولا يعني الموقف الجديد لأوكرانيا أنّها تستطيع معاداة الولايات المتحدة، الشريك العسكري الحاسم. وشدّد ميريجكو على أنّ أوكرانيا «ستحاول الحفاظ على علاقات عمل بنّاءة مع ترامب».

 

وقف نار موقت

وعلى رغم من أنّ زيلينسكي أعاد التأكيد أمس على موقفه، بأنّ أوكرانيا تفضّل وقفاً مستداماً للأعمال القتالية، فمن المتوقع أن يوافق على مقترح طُرح خلال اتصال يوم الأربعاء بين ترامب وبوتين لوقف إطلاق نار قصير في التاسع من أيار، تزامناً مع يوم النصر في الحرب العالمية الثانية في روسيا.

 

لكن من المرجّح أن يكون أي اتفاق مدفوعاً بدرجة أقل بالإيمان، بأنّ مثل هذا الوقف يمكن أن يمهّد الطريق لسلام دائم، وبدرجة أكبر بالرغبة في تجنّب إغضاب ترامب، وإرسال إشارة إلى أنّ أوكرانيا لا تزال منخرطة في الديبلوماسية. وقد عبّر المسؤولون الأوكرانيّون منذ زمن عن شكوكهم حيال الهدن قصيرة الأمد، مشيرين إلى وقفات إطلاق نار سابقة، اتهم كل طرف فيها الآخر بخرقها.

 

11 اتصالاً بين ترامب وبوتين.. ولا نتائج

واعتبر ميريجكو، أنّ مقترح وقف إطلاق النار لا يشكّل دليلاً إلى دفع حقيقي نحو السلام. بل اعتبر أنّه يعكس قلقاً في روسيا من أن تتمكّن أوكرانيا من تعطيل العرض العسكري التقليدي الذي يُقام في موسكو في ذلك اليوم، عبر استهدافه بترسانتها المتنامية من الأسلحة بعيدة المدى. وكانت روسيا قد قلّصت بالفعل بشكل ملحوظ خططها للعرض العسكري، بسبب مخاوف من هجمات أوكرانية.

 

ويتجلّى تحوّل النبرة في أوكرانيا أيضاً في الطريقة التي ينظر بها الناس في البلاد إلى دور ترامب في إنهاء الحرب.

ففي كانون الأول 2024، بعد وقت قصير من فوز ترامب في الانتخابات، اعتبر غالبية الأوكرانيِّين عودته إلى السلطة خبراً جيداً لبلادهم، معوّلين على وعده بإنهاء الحرب سريعاً، وفقاً لاستطلاع أجراه المعهد الدولي لعلم الاجتماع في كييف. وبعد عام، رأى نحو ثلاثة أرباعهم أنّ ذلك خبر سيّئ، بحسب الاستطلاع.

وما حدث في تلك الأثناء هو إجراء 11 اتصالاً بين ترامب وبوتين لم تُسفر عن نتائج تُذكر، وأبرزت ميل ترامب إلى التماهي مع النهج الذي تفضّله موسكو لإنهاء الحرب.

 

تغيّرات في موقف ترامب

فبعد اتصال في أيار الماضي، تراجع ترامب عن مطلبه بوقف فوري لإطلاق النار، وبدلاً من ذلك دعم مقترح روسيا لإجراء مفاوضات مباشرة بشأن اتفاق سلام واسع. وكان من شأن إطار التفاوض هذا أن يصبّ في مصلحة روسيا من خلال السماح باستمرار المحادثات، بينما تواصل قواتها التقدُّم في ساحة المعركة، ما يضع ضغطاً على أوكرانيا لتقديم تنازلات.

 

وذهب ترامب أبعد من ذلك بعد اجتماع مع بوتين في ألاسكا في آب 2025، إذ أيّد مطلب روسيا بأن تتخلّى أوكرانيا عن جزء كبير من الأراضي التي لا تزال تسيطر عليها في الشرق من أجل وقف الأعمال القتالية - وهو شرط وصفته كييف باستمرار بأنّه غير مقبول.

والنتيجة هي مزاج عام في أوكرانيا انقلب من توقعات مرتفعة بأن يتمكن ترامب من تحقيق السلام إلى قناعة متجذّرة بشكل متزايد بأنّه لن يفعل.

وأوضح نحو ثلاثة أرباع الأوكرانيِّين الشهر الماضي، أنّهم لا يعتقدون أنّ المفاوضات الحالية بوساطة الولايات المتحدة ستؤدّي إلى سلام دائم، وفقاً لاستطلاع آخر أجراه المعهد الدولي لعلم الاجتماع في كييف.

 

«لا يعني شيئاً»

وفي كييف، العاصمة الأوكرانية، هزّ عدد من المارة أكتافهم علناً صباح أمس، عندما سُئلوا عن اتصال ترامب–بوتين في اليوم السابق. واعتبرت ألينا كريفينكو، وهي محرِّرة تبلغ من العمر 36 عاماً: «أعتقد أنّه لا يعني شيئاً. بالنظر إلى فاعلية اتصالات ترامب، فإنّها جميعاً تساوي صفراً».

 

ورأت بولينا روفنر، وهي معالجة فيزيائية تبلغ من العمر 24 عاماً، أنّها بعد هذا العدد الكبير من الاتصالات المماثلة، توقّفت عن «إيلاء الكثير من الاهتمام».

وبدلاً من ذلك، يركّز الأوكرانيّون بشكل متزايد على ما يعتقد كثيرون أنّه سيكون حرباً أطول بكثير. وتضخ البلاد موارد مالية هائلة في صناعتها الدفاعية المحلية، بما في ذلك أكثر من 100 مليار دولار من التمويل الجديد من الاتحاد الأوروبي.

 

وقد أتاح ازدهار إنتاج التسليح في أوكرانيا تدريجياً لها، خوض الحرب وفق شروطها الخاصة، بدلاً من الاعتماد على تسليمات الأسلحة الأميركية مع القيود التي تفرضها واشنطن أحياناً على استخدامها، بما في ذلك عدم استخدامها لضرب أهداف داخل روسيا.

وفي الأشهر الأخيرة، استخدمت أوكرانيا ترسانتها الواسعة من الطائرات المسيّرة الهجومية بعيدة المدى، لاستهداف صناعة النفط الروسية المُدرّة للإيرادات.

وكشف زيلينسكي، أنّ بعض حلفاء أوكرانيا الغربيِّين طلبوا منها وقف هذه الضربات، خوفاً من أن تؤدّي إلى مزيد من الضغط على سوق النفط الذي يعاني أصلاً من تداعيات الحرب في إيران. وعلى رغم من أنّ زيلينسكي لم يُسمِّ تلك الدول، فإنّ مسؤولين أوكرانيِّين أقرّوا في أحاديث خاصة بأنّها تشمل الولايات المتحدة.

 

ضربات بلا هوادة

ومع ذلك، واصلت أوكرانيا هذه الضربات بلا هوادة. فأمس، وبعد ساعات قليلة فقط من انتهاء اتصال ترامب–بوتين، استهدف الجيش الأوكراني منشآت نفطية في عمق روسيا، قرب مدينة بيرم، وفقاً لأجهزة الأمن في البلاد. وقد رصدت أقمار «ناسا» الصناعية اندلاع حرائق عدة في المنطقة.

theme::common.loader_icon