كثيرون يعتقدون أنّ الالتزام بالرياضة يحتاج إلى إرادة حديدية وانضباط صارم، لكنّ خبراء السلوك يؤكّدون أنّ المشكلة الحقيقية غالباً تكمن في طريقة التفكير نفسها. فحين لا يتمكّن البعض من أداء التمرين «المثالي» الذي خطّطوا له، يفضّلون عدم القيام بأي نشاط إطلاقاً، وهو ما يعرقل بناء عادة رياضية مستقرّة على المدى الطويل.
«فخ التمرين المثالي»
هذا النمط المعروف بعقلية «إمّا كل شيء أو لا شيء» يظهر بوضوح في عالم اللياقة البدنية. فقد يجد الشخص أنّ الوقت المتاح لم يعُد يكفي لجلسة تدريب كاملة، فيقرّر إلغاء التمرين بدلاً من تقليص مدّته أو تخفيف شدّته. وتوضح الباحثة في العلوم السلوكية بجامعة ميشيغان، ميشال سيغار، أنّ هذه الفكرة أصبحت عائقاً أساسياً أمام الكثيرين، وتصفها بـ«فخ التمرين المثالي».
وبحسب دراسة حديثة صغيرة أجرتها سيغار مع فريقها، فإنّ الأشخاص الذين لا يستطيعون ممارسة الرياضة بالطريقة التي خطّطوا لها، غالباً ما ينتهي بهم الأمر إلى عدم ممارسة أي نشاط بدني على الإطلاق. وترى أنّ الحل لا يكمن في المزيد من القسوة على الذات، بل في اكتساب مرونة أكبر في التعامل مع الروتين الرياضي.
ثقافة اللياقة المنتشرة على مواقع التواصل
وتشير إلى أنّ ثقافة اللياقة المنتشرة على مواقع التواصل، تسهم أحياناً في تعزيز هذا التفكير المتطرّف، خصوصاً مع انتشار شعارات مثل «لا أعذار»، أو تحدّيات تفرض البدء من الصفر عند تفويت أي تمرين. كما أنّ توصيات ممارسة 150 دقيقة أسبوعياً من التمارين الهوائية قد تبدو للبعض هدفاً بعيد المنال، ما يدفعهم إلى الاستسلام مبكراً.
تعديل التمارين وفق الظروف
ويؤكّد المدرب الرياضي ريك ريتشي، أنّ المرونة هي العنصر الأهم للاستمرار، قائلاً إنّ «ما لا ينحني ينكسر بسهولة». لذلك ينصح بتغيير النظرة إلى التمارين باعتبارها قابلة للتعديل وفق الظروف اليومية.
ومن أبرز النصائح التي يقدّمها الخبراء تبنّي عقلية «افعل شيئاً بدلاً من لا شيء». فحتى النشاطات الخفيفة مثل المشي أو التمدُّد أو الرقص لبضع دقائق داخل المنزل، يمكن أن تحسّن الصحة النفسية، وتقلّل مخاطر أمراض القلب، وتساعد في تنظيم مستويات السكّر في الدم. كما أنّ تمارين المقاومة البسيطة، حتى لو كانت قصيرة، قادرة على تعزيز القوة العضلية مع الوقت.
كذلك يُنصح بوضع «خطة بديلة» مسبقاً. فإذا تعذر الذهاب إلى النادي الرياضي، يمكن أداء تمارين منزلية، وإذا لم يتوافر وقت للركض، يمكن الاكتفاء بالمشي. ويرى الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد إدوارد فيليبس، أنّ التخطيط للطوارئ يساعد في الحفاظ على الاستمرارية بدل الانقطاع الكامل.
وفي النهاية، يشدِّد الخبراء على أنّ الأهم ليس الكمال، بل الاستمرارية عبر السنوات. فالتوقف لأيام أو حتى أسابيع لا يعني الفشل، بل المهم هو العودة مجدّداً بخطوات صغيرة وأهداف واقعية. لأنّ أي نشاط بدني، مهما بدا بسيطاً، يبقى استثماراً مباشراً في الصحة والراحة النفسية.