كشفت دراسة حديثة، أنّ أكثر من نصف المصابين بسرطان الرئة المتقدّم في الولايات المتحدة لا يحصلون على العلاجات التي قد تُطيل حياتهم، على رغم من التطوّر الكبير الذي شهدته الأدوية خلال السنوات الأخيرة. وتشمل هذه العلاجات العلاج الكيميائي والعلاج المناعي والعلاجات الموجّهة التي غيّرت مسار المرض لدى كثير من المرضى.
الدراسة، المنشورة في مجلة علم الأورام التابعة للجمعية الطبية الأميركية، تابعت أكثر من 250 ألف شخص مشمولين ببرنامج «ميديكير» بين عامَي 2006 و2021، بمتوسط عمر بلغ 73 عاماً.
نصف المرضى خارج دائرة العلاج
وأظهرت النتائج أنّ نسبة المرضى الذين تلقّوا علاجاً ارتفعت بشكل طفيف فقط من 45 إلى 48% خلال تلك الفترة، ما يعني أنّ نصف المرضى تقريباً ما زالوا خارج دائرة العلاج.
ويُعدّ سرطان الرئة أكثر أنواع السرطان فتكاً في الولايات المتحدة، إذ يُشخَّص أكثر من 110 آلاف أميركي سنوياً بسرطان رئة منتشر إلى أعضاء أخرى. لكنّ الصورة لم تعُد قاتمة كما كانت قبل 15 عاماً، بعدما ظهرت عشرات الأدوية الحديثة القادرة على إبطاء المرض لسنوات لدى بعض المرضى.
وترى اختصاصية أورام الصدر الدكتورة كارولين بريسلي، أنّ الواقع «صادم»، خصوصاً أنّ بعض المرضى بات بإمكانهم السيطرة على المرض عبر أقراص دوائية تبقيه مستقراً لفترات طويلة.
التشخيص المتأخّر العقبة الأولى
ويشير الأطباء إلى أنّ العقبة الأولى تكمن في التشخيص المتأخّر. فالرئتان تحتويان على عدد قليل جداً من مستقبلات الألم، ما يجعل المرض يتقدّم بصمت غالباً قبل ظهور الأعراض. كما أنّ فحوص الكشف المبكر ما زالت غير مستخدمة على نطاق واسع، سواء بسبب جهل الناس بوجودها أو بسبب تعقيد شروط الاستفادة منها.
حتى بعد اكتشاف مؤشرات مقلقة، قد يخسر المرضى وقتاً ثميناً بانتظار الصور الإضافية والخزعات والمواعيد الطبية. وأظهرت الدراسة أنّ نحو 40% من المرضى توفّوا خلال 3 أشهر فقط من التشخيص، ما يعني أنّ كثيرين كانوا في مرحلة متقدّمة جداً عند اكتشاف المرض.
لكنّ التأخير وحده لا يفسّر المشكلة. فقد تبيّن أيضاً أنّ ثلث المرضى المصابين بسرطان الرئة المنتشر لم يلتقوا اختصاصياً في الأورام أساساً. ويرجّح الباحثون أنّ عوامل مثل صعوبة النقل، الكلفة، أو غياب الدعم العائلي، لعبت دوراً في ذلك، خصوصاً لدى سكان المناطق الريفية وغير المتزوّجين، بالإضافة إلى انخفاض معدّلات العلاج بين السود وذوي الأصول اللاتينية.
نظرة تشاؤمية رغم تطور العلاجات
ويلفت الأطباء أيضاً، إلى استمرار النظرة التشاؤمية تجاه سرطان الرئة، إذ لا يزال كثيرون يعتقدون أنّ المرض ميؤوس منه حتى مع تطوّر العلاجات. كما يشعر بعض المرضى بالعار لأنّ التدخين مسؤول عن غالبية حالات سرطان الرئة، ما يدفعهم أحياناً إلى تجنّب طلب المساعدة أو الشعور بأنّهم «لا يستحقون» العلاج.
في المقابل، أحدثت العلاجات الحديثة ثورة حقيقية. فبدلاً من الاعتماد فقط على العلاج الكيميائي القاسي، بات الأطباء يستخدمون أدوية موجّهة تستهدف الطفرات الجينية الخاصة بكل ورم، أو علاجات مناعية تحفّز جهاز المناعة لمحاربة السرطان. وغالباً ما تكون هذه الأدوية أقل قسوة وأكثر فعالية، حتى لدى المرضى الضعفاء صحياً.
وتروي الدراسة، قصة الأميركية ماغي راش، التي شُخّصت بسرطان رئة منتشر عام 2024، وقيل لها عملياً إنّ العلاج لن يفيدها. لكن بعد استشارة اختصاصي أورام، تبيّن أنّ الورم يحمل طفرة جينية تُعرف بـRET، ما أتاح لها الحصول على علاج حديث خفّف آلامها ومنحها وقتاً إضافياً مع عائلتها، لتشهد زفاف ابنها وتقضي عيدَي ميلاد إضافيَّين مع أحبّائها.
ويؤكّد الخبراء، أنّ المشكلة الأكثر خطورة ليست رفض المرضى للعلاج بعد فهم الخيارات، بل عدم وصولهم أصلاً إلى اختصاصيّي الأورام. فالكثير من المرضى، ببساطة، لا تُتاح لهم حتى فرصة خوض النقاش حول إمكانات العلاج الحديثة.