الآن وبعد أن هدأ الجدل المحيط باختياراته لتشكيلة منتخب إنكلترا، يتحوَّل اهتمام المدرب الألماني توماس توخيل إلى المسألة الأكثر إلحاحاً: تحديد أيٍّ من هؤلاء اللاعبين سيشارك فعلياً على أرض الملعب. وكان التوازن هو السمة الأبرز في إعلان المدرب لقائمته. فبدلاً من حشد المجموعة بوفرة المواهب الهجومية التي تتمتع بها إنكلترا، أراد توخيل توزيع خياراته على مختلف خطوط الملعب، مؤكّداً: «تضمّ التشكيلة عدداً كبيراً من اللاعبين الذين سيتنافسون على دقائق اللعب الأساسية والمراكز الأساسية».
لكن حتى مع هذا المستوى المرتفع من المنافسة، توجد خيارات أولى واضحة في معظم المراكز. ففي نظامه 4-2-3-1، يشكّل ديكلان رايس وإليوت أندرسون الثنائي المستقر في قاعدة خط الوسط، بينما يبدو هاري كاين، القادم من موسم سجَّل فيه 61 هدفاً مع بايرن ميونيخ، خارج أي نقاش في مركز رأس الحربة. كما يبدو خط الدفاع مستقراً إلى حدّ كبير. قد تكون هناك مساحة لبعض المفاجآت، لكنّ الرباعي نيكو أورايلي، مارك غويهي، إزري كونسا، وريس جيمس يبدو الأكثر ترجيحاً لتشكيل الخط الخلفي. أمّا حالة عدم اليقين الحقيقية، فتتمثل في المراكز الهجومية الثلاثة خلف كاين.
إعادة إشعال شرارة ساكا
شكّل موسم 2025-2026 أفضل مواسم بوكايو ساكا في مسيرته، فتوّجَه بأول لقب له في الدوري مع أرسنال وخاض نهائي دوري أبطال أوروبا. لكن على المستوى الفردي، كان الموسمان الماضيان صعبَين، إذ حالت مشكلات اللياقة البدنية وتذبذب المستوى دون بلوغه ذروة مستواه.
ويعود هذا التراجع في الإنتاج جزئياً إلى أسباب تكتيكية، بعدما انتقل مدرب أرسنال ميكيل أرتيتا إلى نهج أكثر ميلاً للدفاع. لكنّه يعكس أيضاً اعتماد أرسنال على ساكا بوصفه المنفّذ الهجومي الرئيسي للفريق. وقد أدرك خصوم أرسنال ذلك سريعاً، فاعتادوا على مضاعفة الرقابة على ساكا. وأسهل طريقة أمام توخيل لتخفيف هذا الضغط هي جعل إنكلترا أقل قابلية للتوقع عبر تنويع أنماط الهجوم. كما أنّ الانطلاقات التداخلية من الظهير الأيمن ينبغي أن تساعد. ففي أرسنال، كان ساكا في أخطر حالاته عندما يلعب إلى جانب بن وايت، الذي تجذب انطلاقاته الخارجية المدافعين بعيداً وتمنحه المساحة للدخول إلى العمق والتسديد.
كما بدا ساكا مرهقاً خلال فترات من الموسم. فقد خاض 15,312 دقيقة في الدوري قبل بلوغه الـ24 من عمره، ويبدو أنّ هذا العبء بدأ يترك أثره عليه. وقد خفَّف أرتيتا الحمل عنه بالتعاقد مع نوني مادويكي الذي يُعدّ بديلاً قادراً على أداء الدور نفسه، إذ يوفّر تهديداً مشابهاً في المواجهات الفردية بفضل سرعته وانفجاريّته.
ويُعجب توخيل بقدرته على صناعة الفارق على رغم من مشاركاته: «كان نوني ممتازاً بالنسبة إلينا في المباريات التي لعبها. أعتقد أنّه قادر على صناعة الفارق. إنّه معتاد على الدخول والخروج من المباريات، وهذا قد يكون ميزة كبيرة».
راشفورد أم غوردون؟
قد يواجه هانزي فليك، مدرب برشلونة، معضلة مشابهة في الجهة اليسرى من الهجوم الموسم المقبل بعدما انضمّ أنطوني غوردون من نيوكاسل يونايتد، لينافس ماركوس راشفورد، الحريص على تحويل إعارته إلى عقد دائم. ويتمتع الجناحان بخصائص متشابهة بوصفهما جناحَين مباشرَين وسريعَين. لكن يميل راشفورد أكثر إلى التوغل نحو العمق ومهاجمة منطقة الجزاء، بينما يفضّل غوردون الالتزام بخط التماس، إذ تتّجه غالبية انطلاقاته بالكرة نحو خط المرمى.
كما أنّ تحرُّكات راشفورد تشبه المهاجم الداخلي أكثر من الجناح التقليدي الملتصق بالخط. ويُعدّ تشابه أسلوب تحرُّكاته مع لويس دياز، مؤشراً مشجِّعاً. فكثيراً ما يتراجع كاين إلى العمق، ويتناغم جيداً مع الأجنحة التي تهاجم بقوّة المساحات التي يتركها خلفه.
وفي حين يمنح راشفورد زخماً هجومياً أكبر عبر تحرُّكاته من دون كرة، فإنّ توخيل يقدّر العمل الدؤوب الذي يقدّمه غوردون عند فقدان الاستحواذ. ويرى توخيل إنّ راشفورد «يجمع باستمرار الانطلاقات عالية الكثافة ويقطع أمتاراً كثيرة في الركض السريع، وهذا أمر ممتاز للغاية. نحن نلعب الآن بضغط عالٍ، وهو مهم عندما لا نمتلك الكرة».
ويتلخَّص قرار توخيل في ما إذا كانت الفاعلية الهجومية الأكبر التي يوفّرها راشفورد تستحق التضحية بالالتزام الدفاعي الذي يقدّمه غوردون خارج الاستحواذ.
بيلينغهام أم روجرز؟
كان أحد أولويات توخيل ضمان بقاء المنافسة على المراكز مرتفعة من دون الإضرار بروح الفريق، قبل أن يشير إلى جود بيلينغهام ومورغان روجرز باعتبارهما «صديقَين أساساً». وعلى رغم من هذه العلاقة الجيدة، فإنّ كليهما سيكون متعطشاً لفرض نفسه في مركز صانع الألعاب. ومرّة أخرى، ينطوي القرار على مفاضلات متعدِّدة. فإذا أراد توخيل دعماً إضافياً في خط الوسط إلى جانب رايس وأندرسون، فإنّ بيلينغهام هو الخيار الواضح.
فبيلينغهام يُعدّ النموذج الكلاسيكي للاعب الوسط الشامل القادر على أداء كل الأدوار، إذ يضغط بقوّة عند فقدان الكرة، ثم يصل متأخِّراً إلى منطقة الجزاء ليقدِّم مساهمات حاسمة هجومياً.
ويُعدّ بيلينغهام أكثر نشاطاً دفاعياً بكثير من روجرز الذي يقتصر تأثيره إلى حدّ كبير على مساهماته في الثلث الهجومي الأخير، مع فعالية خاصة في حمل الكرة القوي خلال الهجمات المرتدة.
وبعيداً من مساهماتهما بالكرة ومن دونها، يبقى مدى انسجامهما مع كاين عاملاً مهمّاً آخر. ومن الانتقادات المتكرّرة للمنتخب، أنّ لاعبي المركز رقم 10 كانوا يشغلون المساحات التي يُحِب كاين التراجع إليها. ويميل بيلينغهام إلى البقاء داخل الممر المركزي، بينما يفضّل روجرز الانجراف نحو الجهة اليسرى. وسيتعيّن على توخيل أن يقرّر أي نوع من التحرُّكات يتوافق بصورة أفضل مع كاين.