أثار الاتفاق الذي أبرمه الرئيس دونالد ترامب مع إيران انقسامات جديدة داخل حزبه، إذ تساءل جمهوريّون في الكابيتول هيل وخارجه، عمّا إذا كانت إدارته قد حصلت على تنازلات كافية من القادة الإيرانيّين، بعد أشهر من حرب مكلفة وغير شعبية. وبعدما نشرت إدارة ترامب نص الترتيب المتفق عليه الأربعاء، ردّ بعض الجمهوريّين في مجلس الشيوخ بانتقادات حادّة وتشكيك وقلق. كما عبّر أعضاء بارزون من الحرس القديم للحزب الجمهوري من خارج الكونغرس، عن مواقف متحفّظة. وحتى بعض حلفاء الرئيس في وسائل الإعلام المحافظة أبدوا مخاوفهم.
وكتب السيناتور بيل كاسيدي، الجمهوري عن ولاية لويزيانا الذي خسر الانتخابات التمهيدية الشهر الماضي، بعدما استهدفه ترامب بالهزيمة، على وسائل التواصل الاجتماعي: «ريغان يتقلّب في قبره»، مضيفاً أنّ الطموحات النووية الإيرانية «لم تُكبَح»، وأنّ إيران تعلّمت أنّها تستطيع استغلال مضيق هرمز لانتزاع تنازلات، والحرب كانت «أسوأ خطأ في السياسة الخارجية منذ عقود».
وتُبرز هذه الردود التحدّي الذي يواجهه ترامب قبل 5 أشهر من انتخابات التجديد النصفي، في وقت يعمل فيه على تحرير الجمهوريّين من العبء السياسي الذي تمثله الحرب، مع التعامل في الوقت نفسه مع تباين وجهات النظر بشأنها داخل حزبه. وبينما حظي ترامب بإشادة من بعض الحلفاء الجمهوريّين بسبب الاتفاق، فإنّ توحيد الدعم داخل حزب يضمّ أجنحة متنافسة يثبت أنّه مهمّة صعبة.
في بداية النزاع، أثار ترامب غضب بعض الأنصار المحافظين من تيار «أميركا أولاً» داخل حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدّداً» (MAGA) الذين شعروا بأنّه يخرق وعده بعدم خوض «حروب جديدة». أمّا الآن، وبينما يحاول إنهاء القتال، فإنّه يواجه اعتراضات من المحافظين التقليديّين الذين يتساءلون عمّا إذا كان قد أبرم اتفاقاً سيكون في نهاية المطاف أفضل من الاتفاق الذي توصَّل إليه الرئيس باراك أوباما مع إيران قبل عقد من الزمن، وانسحب منه ترامب عام 2018.
وينصّ الاتفاق الأولي على رفع العقوبات عن إيران والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمّدة. كما يؤجّل النقاشات بشأن البرنامج النووي الإيراني إلى فترة تفاوض مدّتها 60 يوماً يمكن تمديدها «بموافقة متبادلة». وينصّ أيضاً على أنّ الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميّين سيضعون خطة إعادة إعمار لإيران بقيمة 300 مليار دولار. وقد أعرب بعض الجمهوريّين عن قلقهم من احتمال وجود مثل هذا الصندوق، لكنّ ترامب أكّد أنّ الولايات المتحدة لن تستثمر فيه.
وتساءل السيناتور تيد كروز، الجمهوري عن ولاية تكساس، في برنامجه الصوتي: «هل يعني هذا تقديم 300 مليار دولار لآيات الله في إيران؟ آمل ألّا يكون الأمر كذلك. وأدعو الله ألّا يكون كذلك»، على رغم من أنّه أشاد بقرار ترامب إدخال الولايات المتحدة في الحرب، لأنّ الرئيس «دمّر الجيش الإيراني بالكامل».
وجاء بعض أشدّ الانتقادات من جمهوريّين دفعهم ترامب إلى هامش الحزب، إذ اعتبر السيناتور توم تيليس، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الشمالية الذي يستعد للتقاعد، أنّ هناك «الكثير من العمل المطلوب لإقناعي بأنّنا نسير في الطريق الصحيح». أمّا النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، الجمهورية عن ولاية جورجيا التي كانت يوماً من أكثر مؤيّدي ترامب حماسة لكنّها اختلفت معه لاحقاً، فقد انتقدت الرئيس بسبب ما وصفته بأنّه حرب «غير ضرورية تماماً. هذا، على ما يبدو، هو شكل الانتصار».
وكتبت نيكي هايلي، التي شغلت منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في الإدارة الأولى لترامب وخسرت أمامه في الانتخابات التمهيدية الرئاسية الجمهورية لعام 2024، على وسائل التواصل الاجتماعي، أنّ «استهداف المواقع النووية والصاروخية الإيرانية كان القرار الصحيح. إنّه خطأ فادح أن ندفع ثمن إعادة بناء التهديد الذي دمّرناه للتو».
كما ظهرت الاعتراضات في ساحات أخرى. ففي صباح الأربعاء، حملت الصفحة الأولى لصحيفة «نيويورك بوست» نظرة نقدية للإدارة. وجاء العنوان العريض في الصحيفة اليمينية: «ترامب دمّر إيران، والآن يضربها بـ... قنبلة حب»، فوق صورة لعلم أميركي يحترق ونص يفيد بأنّ اتفاق ترمب أغدق على قادة إيران «الأموال النقدية - ومن دون عقوبات».
واعتبر مارك ليفين، مقدِّم برنامج على قناة «فوكس نيوز»، إنّه وجد في الاتفاق «الكثير ممّا يدعو إلى القلق» ويرغب في تعديله.
وهاجم ترامب منتقدي الاتفاق، واصفاً إياهم بأنّهم «أشخاص أغبياء وسيّئون»، وأعلن أنّه يحظى بدعم المجتمع الدولي لأنّ مواصلة الحرب كانت «سترضي مجموعة تمثل 10% من الناس»، لكنّها كانت «الشيء الخطأ الذي ينبغي فعله».
وأضاف ترامب عن منتقديه أثناء حديثه إلى الصحافيين في قمة مجموعة السبع في فرنسا: «هناك بعض الأشخاص، وبعض الكتّاب، الذين كنت أعتقد أنّهم أصدقائي، لكنّني لم أعد أريدهم أصدقاء بعد الآن».
وقد غيّر ترامب أهدافه من الحرب مع إيران بمرور الوقت، ويبدو أنّ بعض المنتقدين كانوا يحاسبونه على الأهداف التي وضعها عند إطلاق الضربات على إيران في أواخر شباط، بما في ذلك تغيير النظام فيها، والقضاء على إيران كتهديد عالمي، ووقف برنامجها النووي.
وفي الوقت نفسه، كان العديد من الجمهوريّين حريصين على تجاوز هذا النزاع قبل انتخابات قد تكون صعبة على حزبهم. ويقول استراتيجيّون جمهوريّون، إنّ أداء الحزب في تشرين الثاني سيعتمد إلى حدّ كبير على ما إذا كانت أسعار الطاقة ستنخفض خلال الأشهر المقبلة.
وأوضح كوري بليس، وهو استراتيجي جمهوري: «كلّما انخفضت أسعار الوقود في تشرين الثاني، كان أداء الجمهوريّين أفضل». ووفقاً لنادي السيارات الأميركي AAA، ارتفع سعر غالون البنزين بنحو دولار كامل مقارنة بالعام الماضي. كما ارتفعت أسعار الطاقة عموماً بنسبة 23.5% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب مؤشر أسعار المستهلك.
وقد استثمر الديمقراطيّون في إعلانات تُحمّل النزاع مسؤولية ارتفاع تكاليف الوقود. وكان مشرّعون جمهوريّون في دوائر انتخابية متأرجحة قد قالوا منذ أسابيع إنّهم يتطلّعون إلى نهاية سريعة للحرب.
وأشاد بعض الجمهوريين في الكابيتول هيل بالاتفاق بوصفه إنجازاً مهمّاً. فقد كتب السيناتور تيم سكوت، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية الذي يقود الذراع الانتخابية للجمهوريّين في مجلس الشيوخ، على وسائل التواصل الاجتماعي إنّ ترامب حقق «انتصاراً كبيراً للأمن الأميركي والاستقرار العالمي».
أمّا السيناتور جون كورنين، الجمهوري عن ولاية تكساس الذي خسر أخيراً انتخابات تمهيدية أمام منافس مدعوم من ترامب، فقد تبنّى موقفاً أكثر توازناً، قائلاً إنّ الرئيس «يستحق التهنئة على إضعاف قدرة إيران على شن الحرب ضدّ الغرب وإسرائيل. أعتقد أنّها مجرّد استراحة في الصراع المستمر منذ عام 1979، وأتمنّى لو أنّنا، في الأساس، جعلناهم عاجزين تماماً، لكنّ ذلك لم يكن ممكناً».
أمّا السيناتور ليندسي غراهام، الجمهوري عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي طالما دعا الولايات المتحدة إلى ضرب إيران، فقد أبدى في البداية تشكّكاً في الاتفاق عندما أعلنه ترامب يوم الأحد من دون الكشف عن تفاصيله: «أشعر ببعض القلق لأنّ نظرة إيران إلى الاتفاق تبدو مختلفة عمّا يدّعيه فريق التفاوض الأميركي».
لكنّه أبدى بعد نشر الاتفاق قدراً من التفاؤل: «ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على التوصُّل إلى اتفاق مقبول ويمكن التحقق منه مع إيران بشأن برنامجها النووي وقضايا أخرى، فهذا أمر لم يُحسم بعد. لكنّني لا أرى الكثير من السلبيات في محاولة تحقيق ذلك».