من أزتيكا إلى فانكوفر: ليلة تأهّل مكسيكية وانفجار كندي
من أزتيكا إلى فانكوفر: ليلة تأهّل مكسيكية وانفجار كندي
جايكوب وايتهيد، مات سلاتر، جوشوا كلوك- نيويورك تايمز
Saturday, 20-Jun-2026 07:06

كانت المكسيك، في ظاهر الأمر، قد أنجزت المهمّة المطلوبة: فوز 1-0 على كوريا الجنوبية، بطاقة مبكرة إلى ثمن النهائي، وتصدُّر للمجموعة A قبل جولة على الختام. لكنّ الطريق إلى هذا الإنجاز كان أقرب إلى مباراة نجاة منه إلى عرض مقنع. صافرات الاستهجان من المدرجات في نهاية الشوط الأول، اعتماد كبير على الكرات الطويلة، وارتباك في الاستحواذ، كلها جعلت الانتصار يبدو أكثر صعوبة ممّا ينبغي. ومع ذلك، جاء هدف لويس رومو في الدقيقة 50 ليغيّر المزاج، فيما أضاف الحارس راوول رانخال لحظة إنقاذ متأخّرة قد تكون الأفضل في البطولة حتى الآن.

اللقطة الحاسمة لم تكن الهدف وحده، بل التصدّي الخارق الذي قام به رانخال على خط المرمى، بعدما ارتقى تشو غي-سونغ وسدَّد رأسية بدت هدفاً محققاً. الحارس المكسيكي سقط ثم عاد ليلتقط الكرة وسط الفوضى، في مشهد جمع بين الشجاعة والبرود العصبي، ومنح بلاده أكثر من مجرّد ثلاث نقاط: منحها لحظة رمزية تعكس شخصية الفريق في الأوقات الحرجة.

رومو يردّ على الشكوك بطريقته الخاصة
قبل المباراة، كان رومو موضع جدل في المكسيك بسبب تصريح فُهِم على أنّه نقص في الحماسة. لكن ما جرى على أرض الملعب قدّم الردّ الأبلغ. رومو، الذي عمل في صيد المحار بدوام كامل بعد خروجه من أكاديمية كروز أزول، وصل إلى التشكيلة الأساسية، وكان الأسرع في التقاط خطأ الحارس الكوري الجنوبي كيم سيونغ-غيو، حين أفلت الكرة بعد بداية الشوط الثاني مباشرة، فتابعها إلى الشباك. الهدف كان بسيط الشكل، خشن الإخراج، لكنّه بدا مشبَّعاً بسيرة لاعب اعتاد أن يصنع طريقه من الهامش لا من الواجهة.
المكسيك، مع ذلك، لم تكن مقنعة في البناء. اختار خافيير أغيري فريقاً من «المقاتلين» أكثر من كونه فريقاً هجومياً، وأبقى أسماء مثل جيلبرتو مورا وألفارو فيدالخو على الدكة. النتيجة كانت فريقاً متوتراً مع الكرة، يمرّر بلا إيقاع، يضرب طويلاً بلا هدف، ويدور في الحلقة نفسها من العقم. حتى عندما صفّق الجمهور للفوز، كان واضحاً أنّ المطلوب لم يكن النتيجة فقط، بل الأداء، وهو ما لم يحصل.

كوريا الجنوبية: استحواذ بلا أنياب
بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، كانت المباراة مخيِّبة على نحو خاص. الفريق الذي يشارك للمرّة الـ11 توالياً في كأس العالم وتأهل من التصفيات من دون هزيمة، بدا في كثير من فترات اللقاء كأنّه يؤدّي تمريناً على الاستحواذ أكثر منه مباراة تنافسية. كانت الكرات تتنقل، لكن من دون اختراقات، من دون عرضيات، ومن دون مراوغات، حتى إنّ أول تسديدة على المرمى لم تأتِ إلّا في الدقيقة 88. بعدها بثانية جاءت التسديدة الثانية، ثم انتهى كل شيء تقريباً.
بعد 56 دقيقة، أعطى خروج سون هيونغ-مين انطباعاً بأنّه لم يكن في أفضل حالاته، لكنّ المشكلة كانت أعمق من اسم واحد. المنتخب الكوري بدا بطيئاً في الانتقال، متردِّداً في المخاطرة، وكأنّه يراهن على أنّ كثرة التمرير ستفتح الطريق وحدها. هذه حسابات لا تنجح في كأس العالم إلّا نادراً. ولعلّ القسوة الأكبر في مساء المكسيك أنّ كوريا الجنوبية، على رغم من امتلاكها لاعبين أصحاب جودة، قدّمت أحد أكثر عروضها رتابة.

كندا لا تفوز فقط، بل تدخل مرحلة جديدة
في فانكوفر، لم تكن كندا تسجّل أول فوز لها في كأس العالم للرجال فحسب، بل كانت تعلن وصولها الحقيقي إلى مستوى مختلف. الانتصار 6-0 على قطر كان لحظة فاصلة: فريق جريء، مباشر، بدني، فعّال، يحوِّل الحماسة الجماهيرية إلى أهداف، ويُعيد كتابة ذاكرة الإخفاقات القديمة في ليلة واحدة. ثلاثية جوناثان ديفيد، هدف سايلي لارين الافتتاحي، ثم أهداف إضافية من ناثان صليبا وهدف عكسي قطري، جعلت النتيجة انعكاساً كاملاً لما حدث على أرض الملعب.
لكنّ الليلة لم تكن احتفالية بالكامل. فإصابة إسماعيل كوني بدت خطيرة حين سقط إثر تدخّل من أسيم ماديبو، قبل أن يتحوَّل القرار التحكيمي من بطاقة صفراء إلى حمراء بعد مراجعة الفيديو. خرج كوني على نقالة، واضعاً قناع الأكسجين، وسط مشهد مؤثر جمع زملاءه حوله، فيما رفع صليبا قميصه عند التسجيل تكريماً له. تلك اللحظة أظهرت أنّ الانتصار الكندي لم يكن مجرّد تفوُّق كروي، بل أيضاً اختباراً عاطفياً تجاوزه الفريق بصلابة.
بدورها، لعبت الجماهير دوراً مباشراً في هذا التحوُّل. الضجيج في المدرّجات كان هائلاً منذ لحظة دخول اللاعبين إلى أرضية الملعب، حتى إنّ زجاجات المياه اهتزّت في مقاعد الصحافة. ومع كل هدف كان التفاعل يتصاعد، ولا سيما بعد افتتاح لارين التسجيل. المباراة بدت في الشوط الأول وكأنّها تُحسم مبكراً: استحواذ بنسبة 67%، تفوُّق في التسديدات 14-2، وصناعة فرص أكبر بكثير من قدرة قطر على مجاراتها. كندا لم تكن فقط أفضل؛ كانت مطمئنة إلى نفسها على نحو واضح.

سويسرا تُنقذ نفسها من تعادلٍ كان سيُعقّد الحسابات
في لوس أنجليس، كانت سويسرا تسير نحو أمسية مقلقة قبل أن يقلب البدلاء المعادلة. المباراة أمام البوسنة والهرسك كانت من النوع الذي قد يجر فريقاً مرشحاً إلى مشكلة غير ضرورية: تعادل جديد بعد التعادل الأول، وضغط إضافي قبل مواجهة كندا. لكنّ دخول يوهان مانزامبي وروفين فارغاس من مقاعد البدلاء بدَّل المسار بالكامل. خلال دقائق قليلة، سجّل مانزامبي الهدف الأول، ثم أضاف الثاني، وتكفّل فارغاس بصناعة الفارق وإنهاء المهمة بإحكام.
ما فعله مانزامبي كان أكثر من مجرّد دخول موفّق. اللاعب الشاب، الذي وصفته الصحافة بأنّه موهبة مرشحة للنجومية، أظهر لمسة نادرة؛ تسديدة أولى قوية من مسافة قريبة، ثم لمسة أخرى وضعت الكرة في الزاوية البعيدة ليصبح أول سويسري يحرز ثنائية كبديل في كأس العالم، وأصغر لاعب في ذلك يحقق الأمر نفسه. في المقابل، أضاف فارغاس بَعده بُعداً آخر للفوز، مؤكّداً أنّ قوّة سويسرا لا تكمن فقط في تشكيلتها الأساسية، بل في عمق دكّتها.

تشاكا يردّ على الانتقادات، ودجيكو يثبت أنّ الزمن لا يطوي الكبار
غرانيت تشاكا كان تحت مجهر النقد داخل سويسرا، بعد تقارير صحافية وصفته بأنّه عنصر سلبي في المعسكر. لكنّه ردّ في الملعب بأفضل طريقة: تمريرات تكسر الخطوط، رؤية هجومية ثابتة، ومساهمة ذهنية في تنظيم الفريق. وسجّل 26 تمريرة تكسر الخطوط، وهو رقم لافت في سياق البطولة كلّها. وفي نهاية الأمسية بدا وكأنّه يبعث برسالة صريحة إلى منتقديه، سواء بطريقة الاحتفال أو بنبرة الأداء نفسه.
أمّا البوسنة، فاستعانت بخبرة إدين دجيكو، ابن الأربعين عاماً الذي ما زال يملك طاقة ودينامية واضحة. تحرَّك في معظم هجمات فريقه، واشتغل كثيراً على ربط اللعب مع كيريم ألاجبيجوفيتش، وصمد بدنياً وذهنياً على رغم من حرارة لوس أنجليس. لم يحسم شيئاً، لكنّه ذكّر بأنّ الخبرة في هذا العمر لا تزال قادرة على إبقاء المنتخب حياً، حتى لو لم تمنحه الانتصار.
التشيك وجنوب إفريقيا: التعادل الذي لم يترك أحداً مرتاحاً

في أتلانتا، خرجت الجمهورية التشيكية وجنوب إفريقيا بنقطة لكل منهما، لكنّ الانطباع العام كان أنّ المباراة نفسها خاسرة فنياً. كان ذلك لقاءً فقيراً في التنظيم، متقطِّع الإيقاع، ومفتقراً إلى الجودة الهجومية. صحيح أنّ التعادل أبقى الفريقَين على قيد الحياة في المجموعة، لكنّ أي قراءة فنية صادقة ستجد أنّ العرض كان من أضعف ما قُدِّم في البطولة. التشيك افتتحت التسجيل مبكراً، وكان يمكن أن تستفيد من أخطاء جنوب إفريقيا في البناء من الخلف، لكنّها لم تفعل. ثم عادت إلى عادة مألوفة: التقدُّم من دون القدرة على حماية النتيجة. المفارقة أنّ هدفها جاء من رمية تماس، تماماً كما حدث في أول مباراة لها أيضاً، بما جعل البعض يتحدّث عن «تخصُّص» تشيكي في الرميات الجانبية. لكنّ كل هذه التفاصيل لم تمنع أن يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: هل يملك هذا الفريق ما يكفي للبقاء في البطولة إذا استمر في إهدار تقدُّمه؟

خلاصة يوم كامل من التناقضات
في نهاية اليوم، خرجت المكسيك بصدارة ومستوى أقل من التوقعات، وظهرت كندا بصورة منتخب بدأ يتحوَّل إلى قوّة حقيقية، وباتت سويسرا أكثر اطمئناناً إلى مستقبلها، بينما بقِيَت التشيك وجنوب إفريقيا عالقتَين في منطقة رمادية لا تمنح الثقة ولا تضمن الخروج. كانت مباريات تُثبت مرّة أخرى أنّ كأس العالم لا يكافئ الأسماء وحدها، بل مَن ينجح في تحويل التوتر إلى فعل، الفرصة إلى هدف، والضغط إلى شخصية.

theme::common.loader_icon