«فنجان قهوة... خمرة المثقفين... منبِّه الوجوديّين... صفحة من كتاب، وسكون يليق بتأمُّل الحياة... في زحمة العالم، ثمة لحظات صغيرة تحمل عمقاً يفوق الزمن. القهوة لا تُشرَب فقط، بل تُصغى، كأنّها حكاية تتسلّل بهدوء إلى الروح، والكلمات في الكتب ليست حروفاً فقط، بل مفاتيح لأبواب نجهل وجودها في داخلنا. روِّضْ فوضاك بلحظة صمت، وارتشف المعنى ببطء».
كُتبت أهم المقالات وما زالت تُكتب على فنجان قهوة... بالتأكيد، القهوة ليست مجرّد مشروب، بل هي رفيقة الإبداع، والملهم الأول للخواطر والأفكار التي تُسطَّر على الورق.
ترى الوجودية أنّ الكون عبثي، وأنّ الإنسان هو مَن يمنح الأشياء قيمتها، فالجلوس لشرب القهوة في المقهى كان فعلاً اختيارياً واعياً حوَّله الوجوديّون من مجرّد تلبيةً لحاجة بيولوجية إلى طقس اجتماعي وسياسي، يُناقَش فيه مصير الإنسان والحرية وصياغة البيانات الثورية.
ارتباط القهوة والمقاهي بالوجودية الفرنسية
هكذا ارتبطت القهوة والمقاهي بالوجودية الفرنسية ارتباطاً وثيقاً، فلم تكن القهوة مجرّد مشروب، بل كانت الوقود الفكري والمساحة الجغرافية التي وُلِدت فيها الفلسفة الوجودية وتطوَّرت.
إحدى أهم وأجمل الكتب التي تناولت الوجودية لاحقاً، كان كتاب للكاتبة سارة بكويل «على مقهى الوجودية» لِمَن يهمّه التعرُّف على هذه الفلسفة المثيرة.
يُقدِّم كتاب باكويل «على مقهى الوجودية» سرداً شيّقاً يمزج بين السيرة الذاتية والفلسفة. ويتتبَّع نشأة الفلسفة الوجودية في مقاهي باريس، ويركِّز على كيفية ارتباط أفكار الحرّية، المسؤولية، والوجود الإنساني بحياة وتجارب فلاسفة كبار مثل: جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، وألبير كامو.
أبرز محاور الكتاب بداية القصة
يبدأ الكتاب من مقاهي باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين، حين اجتمع سارتر، وبوفوار، وصديقهما ريمون آرون، ليناقشوا الفلسفة وهم يحتسون «كوكتيل المشمش».
تبسيط المفاهيم: تُحوِّل باكويل الفلسفة المعقّدة إلى أفكار يمكن تطبيقها في الحياة اليومية، مثل: كيفية اتخاذ القرارات وتحمُّل مسؤولية نتائجها.
الصراعات والعلاقات: يستعرض الكتاب الجانب البشري والشخصي لحياة الفلاسفة، متناولاً علاقات الحب المعقّدة، الصداقات، والخلافات الفكرية والسياسية التي جمعت بينهم أو فرّقتهم.
الخلفية التاريخية: يوضح كيف أثّرت الحرب العالمية الثانية، والاحتلال النازي لفرنسا، على تشكيل وتطوُّر الأفكار الوجودية التي تنادي بـ «الحرّية» في أحلك الظروف.
الفلسفة الوجودية كما يصوِّرها الكتاب جوهر الوجودية، كما يشرحها الكتاب، هو أنّ «الوجود يسبق الماهية»؛ أي أنّ الإنسان يولد أولاً في هذا العالم، ثم يصنع هويّته ومعناه الخاص من خلال أفعاله واختياراته في ظل غياب أي معنى جاهز مسبقاً.
كان يرى سارتر في فنجان القهوة والتبغ محفّزات ضرورية للحفاظ على يقظة العقل والوعي الصارم بالذات وبالعالم المحيط.
ينظر كثيرون إلى العلاقة بين القهوة والكتب على أنّها تحالف مثالي لعلاقة لصيقة وثيقة أنيقة، هذا التحالف الأنيق يحوِّل جلسة القراءة العادية إلى طقس فكري فاخر، فبينما ينساب الدفء من فنجان القهوة بهدوء وتنتشر دقائق الرائحة الذكية المنبِّهة بكل مكان بتروٍّ، يتسلَّل الفكر من بين السطور إلى عمق الوعي، وتتدفّق الأفكار بسلاسة من عمق الصفحات لتتجوَّل بين طيّات العقل، وكأنّ الكلمات جسرٌ يعبره الوعي نحو آفاق الفكر اللامحدودة، لتظل هذه العلاقة السحرية ما بين القهوة والكتب بمثابة طقسٌ أبدي يُعيد ترتيب فوضى العالم داخل القارئ أو الكاتب، مانحة الروح ملاذاً من السكينة والعقل وقوداً لا ينطفئ للاكتشاف...
هذا التقليد الثقافي الراسخ جعل من المقهى مكاناً لنشوء الحركات الأدبية، ومن الفنجان رمزاً للمثقف المعتكف في محراب أوراقه. ويقول إف. إل. لوكاس: «القهوة هي وقود الفكر الذي يجعل الحضارات في رؤوسنا تتنفّس من خلال صفحات الكتب».
ويضيف فرناندو بيسوا: «القهوة تجعل الروح أكثر شفافية، وكأنّها تُنقي زجاج العين لنرى العالم عبر شباك القراءة». فيما يستطرد غابرييل غارسيا ماركيز: «القهوة هي الذاكرة التي تمنع النسيان من التسلُّل إلى صفحات حكايتنا الكبرى».
ويؤمِن إسحق روزنبرغ بأنّ «القهوة والقراءة هما صلاة المثقّف في معبد السكينة، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الوجدان».