باكستان وديبلوماسية الدول الناهضة
باكستان وديبلوماسية الدول الناهضة
د. خالد العزّي
Wednesday, 24-Jun-2026 06:47

لا شك بأنّ باكستان مارست دوراً ديبلوماسياً مهمّاً في إدارة قنوات التواصل بين الولايات المتحدة وإيران، من خلال اعتماد سياسة خارجية تقوم على التوازن وتجنُّب الإنحياز الصريح، الأمر الذي سمح لها بالمساهمة في تسهيل بعض مسارات الحوار غير المباشر بين الطرفَين، بما يعكس قدرتها على توظيف موقعها الجيوسياسي في دعم جهود التهدئة الإقليمية وتعزيز الاستقرار في محيطها الاستراتيجي.

ساهمت محاولاتها المتواصلة للوساطة وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة في تعزيز صورتها كدولة قادرة على لعب أدوار ديبلوماسية مؤثرة، بما يجعلها طرفاً أكثر حضوراً في معادلات الاستقرار الإقليمي، ويعكس مسار تحوُّل تدريجي نحو تثبيت موقعها ضمن القوى الصاعدة ذات التأثير المتزايد.

 

ديبلوماسية التوازن

سعت إسلام آباد إلى توظيف موقعها الجيوسياسي واعتماد مقاربة ديبلوماسية ناهضة قائمة على الوساطة والتوازن، بما يعزّز حضورها في الفضاءات الإقليمية والدولية، ويدفعها إلى الانخراط في ما يُعرَف بمحاولة «الاندماج في بيت الكبار»، من خلال المشاركة في إدارة ملفات حساسة والتأثير في مسارات التفاعلات الدولية. وفي ضوء هذه التحوُّلات، تبدو الديبلوماسية الناهضة أداةً أساسية تعتمدها القوى الصاعدة لتعزيز حضورها الدولي وتوسيع مجال تأثيرها في النظام العالمي، إذ إنّ نجاح هذه الدول لا يرتبط فقط بعناصر القوّة المادية، بل أيضاً بقدرتها على تطوير أدوات ديبلوماسية مرنة وفعّالة، تتيح لها تحسين موقعها داخل البُنية الدولية والمساهمة في إعادة تشكيل قواعدها.

 

تحوّل الدول الصاعدة

فإذا كان تخصُّص العلاقات الدولية يرى منذ زمن طويل، أنّ السياسة الخارجية محصورة بالدول الكبرى وبسياستها الداخلية، فإنّ مفهوم نهوض الدول الصاعدة أحدث تحوُّلاً مهمّاً في هذا الإطار. فقد باتت الأدوات المساعدة للدولة، بما في ذلك الوسائل الاقتصادية والديبلوماسية والتكنولوجية، تخدم سياسات هذه الدول، ولم تعُد السياسة الخارجية حكراً عليها وحدها.

 

كما أصبحت الديبلوماسية الحديثة أكثر ارتباطاً بوسائل الإعلام والاتصال وصناعة الرأي العام، ممّا يمنح الديبلوماسية الناهضة بُعداً إضافياً بوصفها امتداداً ديناميكياً للديبلوماسية التقليدية، يتكيَّف مع التحوُّلات التكنولوجية والسياسية المتسارعة، ويعزّز أدوات التأثير غير المباشر في العلاقات الدولية.

 

باكستان في قلب الاقتصاديات الصاعدة

على صعيد التصنيف الدولي، يمكن الإشارة إلى أنّ باكستان تُدرَج ضمن القوى المتوسطة الناهضة في مطلع القرن الحادي والعشرين، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي، إذ شهدت حضوراً متزايداً ضمن الاقتصاديات الصاعدة. وفي هذا السياق، يشير جوزيف مايلا (Joseph Maïla) إلى أنّ التفكير في البلدان الناهضة يعكس تحوُّلات عميقة في النظام الدولي، مع توقع بروز مجموعة جديدة من الدول الصاعدة، من بينها باكستان، قادرة على التأثير في مسارات الاقتصاد العالمي والعولمة وإعادة تشكيل توازنات القوّة الدولية.

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ باكستان، على رغم ممّا تمتلكه من موقع جيوسياسي مهمّ وقدرات عسكرية واقتصادية متنامية، لم تحظَ دائماً بالاهتمام الدولي الكافي نتيجة تداخل عوامل سياسية وأمنية مرتبطة ببيئتها الإقليمية، خصوصاً في مرحلة الحرب الباردة وما بعدها. إلّا أنّ تطوُّر التفاعلات الدولية في المنطقة وتزايد الحاجة إلى قنوات وساطة في الأزمات الإقليمية، أسهما في إعادة إبراز دورها كفاعل محتمل في التوازنات الدولية.

 

وفي ظل النجاح والتفوُّق الذي حققته باكستان بهذه الديبلوماسية الجديدة، لم تعُد هذه الأخيرة محصورة بالدول الكبرى فقط، ممّا ساهم في نشوء ما يُعرَف بالديبلوماسية الناهضة. وتُعدّ الديبلوماسية العامة في العصر الحديث إطاراً متطوِّراً يشهد تنوُّعاً في أدواته وأشكاله، إذ تُعتبر الديبلوماسية الناهضة امتداداً ديناميكياً يتكيَّف مع التحوُّلات الدولية المتسارعة. وفي هذا السياق، أصبحت الديبلوماسية ضرورة أساسية لضمان الاستقرار وتعزيز التعاون الدولي، وترسيخ التفاهم بين الشعوب في عالم تتشابك فيه المصالح وتزداد فيه التحدّيات السياسية والعلمية والتكنولوجية. كما باتت الديبلوماسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإعلام والخطاب السياسي ووسائل الاتصال الحديثة، التي تلعب دوراً محورياً في التأثير والإقناع وصناعة الرأي العام، الأمر الذي يجعلها إحدى أبرز أدوات القوّة الناعمة في العلاقات الدولية المعاصرة.

 

وفي سياق «طرق أبواب الدول الكبرى»، تصبح الديبلوماسية الناهضة أداة استراتيجية لا غنى عنها، إذ تمكّن الدول الصاعدة من مواجهة هذه التحدّيات واستثمار مواردها وقدراتها وإيجاد موطئ قدم داخل النظام الدولي، بما يعزّز حضورها ويُتيح لها انتزاع الاعتراف بمكانتها والمشاركة الفاعلة في صنع القرار العالمي. ويعكس هذا التوسع في العوامل المؤثرة طبيعة النظام الدولي المعاصر، إذ لم تعُد السياسة الخارجية مجرّد امتداد للإرادة الوطنية، بل أصبحت نتاج تفاعلات معقّدة بين الدولة والقوى الكبرى والأطر الدولية والإقليمية.

theme::common.loader_icon