مع بداية كل عام، أو بعد فترات الإجازات والإفراط في الطعام، تنتشر الإعلانات التي تعِد بـ»تنظيف الجسم من السموم» عبر عصائر خاصة، أو حميات قاسية، أو مكمّلات غذائية باهظة الثمن. وتوحي هذه المنتجات بأنّ الجسم يمتلئ بمواد ضارّة لا يمكن التخلّص منها إلّا من خلال برامج إزالة السموم. لكن ماذا يقول العلم؟
يرى معظم الأطباء وخبراء التغذية، أنّ مفهوم «الديتوكس» كما يُسوَّق تجارياً، يفتقر إلى الأدلة العلمية القوية. فجسم الإنسان يمتلك بالفعل نظاماً متطوَّراً وفعّالاً للتخلّص من الفضلات والمواد الضارّة، تقوده أعضاء حيوية مثل الكبد والكليتَين والرئتَين والجهاز الهضمي والجلد، التي تعمل على مدار الساعة من دون الحاجة إلى مشروبات سحرية أو برامج تطهير خاصة.
«الديتوكس» لا أدلة علمية قوية
ويُعدّ الكبد أبرز هذه الأعضاء. فهو يحوّل كثيراً من المواد السامة إلى مركّبات يسهل على الجسم التخلّص منها، بينما تقوم الكليتان بتصفية الدم وإخراج الفضلات عبر البول، وتتولّى الرئتان التخلّص من ثاني أكسيد الكربون مع كل عملية زفير، في حين يساعد الجهاز الهضمي على إخراج ما لا يحتاجه الجسم.
وهذا لا يعني أنّ نمط الحياة لا يؤثر في قدرة هذه الأعضاء على أداء وظائفها. فالإفراط في تناول الكحول، أو التدخين، أو الاعتماد على الأغذية فائقة التصنيع، أو السمنة، قد يزيد العبء على الجسم ويؤثر في كفاءة بعض أعضائه مع مرور الوقت.
تغيير العادات اليومية
لكنّ الحل لا يكون عادة بحمية «ديتوكس» تستمر 3 أيام، بل بتغيير العادات اليومية على المدى الطويل.
كما يحذّر المختصّون من أنّ بعض برامج إزالة السموم تعتمد على تقييد شديد للسعرات الحرارية أو استخدام ملينات ومدرات للبول، ما قد يؤدّي إلى فقدان الماء والكتلة العضلية بدلاً من الدهون، ويُسبِّب الدوار، والإرهاق، واضطرابات في توازن الأملاح، خصوصاً إذا استُخدمت من دون إشراف طبي.
في المقابل، هناك وسائل مثبتة علمياً لدعم وظائف الجسم الطبيعية. فالحصول على نوم كافٍ يمنح الكبد والدماغ الوقت اللازم لإتمام كثير من العمليات الحيوية، بينما يساعد شرب كمية كافية من الماء الكليتَين على أداء دورهما بكفاءة. كما يساهم النظام الغذائي الغني بالخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات في تزويد الجسم بالألياف ومضادات الأكسدة التي تدعم الصحة العامة.
ولا يقلّ النشاط البدني أهمية عن الغذاء. فممارسة الرياضة بانتظام تحسن عملية التمثيل الغذائي، وتساعد في الحفاظ على وزن صحي، وتقلّل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة التي قد تؤثر في وظائف الكبد والقلب والكلى.
الحذر من الإدعاءات
ويشدّد خبراء التغذية على ضرورة الحذر من الادعاءات التي تعِد بتنظيف الجسم خلال أيام قليلة، أو بعلاج مشكلات صحية معقّدة بواسطة منتج واحد. فغالباً ما تكون هذه الوعود مبالغاً فيها، ولا تستند إلى تجارب علمية موثوقة.
في النهاية، لا يحتاج الجسم السليم إلى «إعادة تشغيل» أو «تنظيف شامل» كل بضعة أشهر، لأنّه يقوم بهذه المهمّة بنفسه كل يوم. وما يحتاجه فعلاً هو نمط حياة متوازن، وغذاء متنوّع، ونوم جيّد، وحركة منتظمة. فبدلاً من البحث عن حلول سريعة، قد يكون أفضل «ديتوكس» هو التوقف عن العادات التي ترهق الجسم، ومنحه ما يحتاج إليه ليواصل أداء عمله بكفاءة.