عندما يصبح لاعب متوّج بلقبي الدوري الإنكليزي الممتاز ودوري أبطال أوروبا متاحاً في سوق الانتقالات، ومن دون أي مقابل انتقال، فلماذا لا تكون أكبر أندية أوروبا في حالة تأهّب قصوى؟ أصبح جون ستونز لاعباً حراً بعد 10 مواسم قضاها مع مانشستر سيتي، لتنتهي بذلك فترة ذهبية رفع خلالها 20 لقباً كبيراً مع النادي. ويُعدّ مزيجه من الخبرة والقيادة وعقلية الانتصار أمراً لا يُضاهى. وبينما قد تساور بعض الأندية المهتمة مخاوف بشأن اللياقة البدنية طويلة الأمد لستونز (94 مباراة دولية)، فإنّ ليس جميع الفرق تردعها سجلّات إصاباته.
مؤخّراً، أفادت The Athletic بأنّ أرسنال يدرس التعاقد مع ستونز (32 عاماً)، في حين وَضَعه تشلسي ضمن قائمة المدافعين في مركز قلب الدفاع الذين يدرس ضمّهم. وقد يكون من المبالغة القول إنّ أي نادٍ يتطلّع إلى التعاقد مع ستونز ليكون أساسياً بشكل فوري، لكنّ المقوّمات الجوهرية التي يقدّمها تبقى بلا شك مطلوبة بشدّة، ولا سيما لدى الفرق التي يُتوقع أن تفرض سيطرتها على الاستحواذ خلال المباريات.
فقد ساعد إنكلترا على بلوغ نصف نهائي كأس العالم، مانحاً خط الدفاع قدراً كبيراً من الهدوء المطلوب، سواء عند امتلاك الكرة أو من دونها. ويعتقد توخيل: «أنّه لاعب من الطراز العالمي، وشخصية رائعة وفائز أثبت نفسه. يعرف كيف يتأقلم مع ثقافة الانتصار، وكيف يتكيَّف تكتيكياً داخل الملعب. وما زال في أعلى المستويات كلّما رأيته يلعب ويتحرَّك. حلّلنا كثيراً من بيانات تدريباته، لأنّه للأسف لم يكن هناك الكثير ممّا يمكن الاستناد إليه من المباريات التي خاضها خلال النصف الأخير من الموسم، لكنّ الخبر السار هو أنّه كان متاحاً. أمّا الخبر السيئ فهو أنّه لم يلعب بالقدر الذي كنّا نأمله».
وردّد ستونز لاحقاً كلمات مدربه بشأن جاهزيّته، لكنّ التحفّظات المتعلقة بلياقته البدنية تبقى مبرّرة. وإذا ما وضعنا تلك الشكوك جانباً في هذا التقييم، فهناك قلة قليلة من اللاعبين يمتلكون قدرة ستونز على التحكُّم بإيقاع اللعب من مركز قلب الدفاع.
ويمثل الاستحواذ على الكرة قيمة مقدّسة بالنسبة إلى مدربه بيب غوارديولا، ويمكن اعتبار ستونز النموذج الأمثل لأسلوب لعبه، إذ يمتلك قدرة استثنائية لا مثيل لها على الحفاظ على الكرة. وكانت مهمّته الأساسية دائماً تتمثل في الحفاظ على البساطة، وتمرير الكرة لمسافات قصيرة، وتوفير القاعدة التي ينطلق منها فريقه في عملية بناء اللعب.
وتجلّت فعالية مجموعة المهارات التي يمتلكها ستونز بصورة أوضح خلال موسم الثلاثية التاريخي. فعندما بحث غوارديولا عن تعديل تكتيكي في الأشهر الربيعية من حملة سيتي التاريخية نحو الألقاب، كان ستونز يتقدّم باستمرار إلى خط الوسط انطلاقاً من مركز قلب الدفاع الأيمن أو الظهير الأيمن، للمساهمة في تقدّم الكرة.
ولم يفقد ستونز تلك الثقة في التقدُّم بالكرة، وقد ظهرت مجدّداً هذا الصيف. قد تبدو حركة بسيطة، لكنّها ليست ممّا يرتبط عادةً بقلب دفاع تقليدي. وتُعدّ هذه القدرة على شغل مساحات مختلفة، وأداء أدوار متنوّعة، واللعب في مراكز متعدّدة، من الصفات التي ستكون موضع تقدير كبير لدى أي نادٍ ينجح في الحصول على توقيعه هذا الصيف. إنّ جودة ستونز في التعامل مع الكرة تجعل من قدراته الدفاعية تبدو وكأنّها عنصر مكمّل لمهاراته الأساسية عند الاستحواذ.
مدافع متقدم
ومن الناحية الأسلوبية، نادراً ما كان من اللاعبين الذين يبحثون عن المواجهات الدفاعية أثناء حماية مرماهم، إذ يبلغ معدّله 2,5 تدخّل «حقيقي» (التدخّلات الناجحة، الأخطاء المرتكبة، والالتحامات الخاسرة) لكل 1000 لمسة من المنافس. ومن خلال تمركزه الذكي ووعيه الدفاعي الحاد، يفضّل الانتظار قبل الاندفاع للمواجهة، وغالباً ما يجد نفسه في المكان المناسب في التوقيت المناسب، مستفيداً من كل ذرّة من خبرته.
ويستطيع ستونز فرض حضوره داخل منطقة الجزاء عندما يتراجع فريقه للدفاع، لكنّ قدرته على الدفاع عن المساحات في المناطق المتقدّمة من الملعب هي الصفة التي ستكون أكثر جذباً للفرق التي تعتمد على الاستحواذ وتلعب بخط دفاع متقدّم. كما أنّ الخبرة التي اكتسبها من أسلوب لعب سيتي، تمنح الأندية المهتمة ثقة في قدرته على نقل تلك الخصائص إلى أي فريق آخر.
ولا ينبغي التقليل أيضاً من قدراته في الجانب البدني من اللعبة، إذ يوفّر حضوراً قوياً في الكرات الهوائية داخل منطقتَي الجزاء. ولم يسجّل أي لاعب في سيتي أهدافاً من الكرات الثابتة أكثر من أهدافه الـ10 منذ بداية موسم 2018-2019، كما أنّ نسبة فوزه بالالتحامات الهوائية، البالغة 68% خلال تلك المواسم الـ8.
وتُعدّ القوّة البدنية عاملاً مهمّاً في الفوز بمثل هذه المواجهات، لكنّ توقيت ستونز يكون غالباً مثالياً في اللحظات الحاسمة. فعندما تعرّضت إنكلترا للضغط والتراجع في نصف نهائي كأس العالم أمام الأرجنتين، مكّنته طريقته في الدفاع أثناء التراجع من إبقاء ليونيل ميسي ورفاقه بعيدين من مرماهم لفترات طويلة، فيما أدّى إبعاده الكرة برأسه أمام نيكولاس تاليافيكو إلى تجنيب فريقه خطراً حقيقياً في الشوط الثاني.
وتُعدّ قيادة ستونز وخبرته من الصفات المضمونة لأي نادٍ يتطلع إلى التعاقد معه. والأهم من ذلك، أنّ النادي الذي سيحصل على توقيعه سيضمّ أحد أكثر قلوب الدفاع ذكاءً من الناحية التكتيكية في كرة القدم الأوروبية خلال العقد الماضي.
وقد تستمر المخاوف المتعلقة بسجلّه البدني بالنسبة إلى بعض الأندية، لكن ما قدّمه في كأس العالم كان تذكيراً واضحاً بأنّ ستونز لا يزال يملك الكثير ليقدّمه، عندما يتعلق الأمر باللعب في أعلى المستويات.