قد يبدو السفر المتكرِّر جزءاً ممتعاً من الحياة، لكنّه بالنسبة إلى الجسم يعني سلسلة متواصلة من التغييرات: طائرات ومطارات مزدحمة، اختلاف في مواعيد النوم، وجبات في أوقات غير منتظمة، ساعات طويلة من الجلوس، وتبدُّل سريع في المناخ والبيئة. وكل ذلك قد يضع جهاز المناعة أمام تحدّيات متكرّرة، خصوصاً عندما لا يحصل الجسم على الوقت الكافي للتعافي.
ولا يعني ذلك أنّ السفر «يُضعف المناعة» بشكل مباشر، أو أنّ كل رحلة تجعل الإنسان أكثر عرضة للمرض. لكنّ بعض ظروف السفر قد تؤثر في العوامل التي تدعم عمل الجهاز المناعي، وفي مقدّمتها النوم والتوتر والنظام الغذائي والتعرّض لمسبِّبات العدوى.
بداية القصة
تبدأ القصة غالباً من المطارات والطائرات. فالسفر يضع الشخص في أماكن مغلقة ومزدحمة، ويتعامل مع عدد كبير من الأشخاص والأسطح المشتركة، ما يزيد فرص التعرُّض للفيروسات التنفسية وغيرها من مسبِّبات العدوى. وفي الطائرة تحديداً، قد تؤدّي الرحلات الطويلة إلى الجلوس لساعات في مساحة مغلقة، بينما يجعل الهواء الجاف داخل المقصورة الأغشية المخاطية أكثر جفافاً، وهي من الحواجز الطبيعية التي تساعد الجسم في مقاومة بعض مسبِّبات المرض.
النوم والتوتر والطعام
ثم تأتي مشكلة النوم. الانتقال بين المناطق الزمنية يمكن أن يربك الساعة البيولوجية، بينما قد تؤدّي الرحلات المبكرة أو المتأخّرة وتغيُّر مواعيد النوم إلى تقليل عدد ساعات الراحة. والنوم ليس مجرّد فترة يتوقف فيها الجسم عن النشاط، بل يرتبط بتنظيم عمليات مناعية أساسية. لذلك قد يشعر المسافر المتكرّر بالإرهاق ويصبح أكثر هشاشة أمام العدوى عندما تتراكم فترات النوم غير الكافي.
ولا يقلّ التوتر أهمية. فالتخطيط للرحلات، والتأخُّر في المواعيد، والتنقل المستمر، والعمل أثناء السفر، كلّها عوامل قد ترفع مستويات الضغط النفسي. وعندما يصبح التوتر مزمناً، يمكن أن يؤثر في مجموعة من العمليات المرتبطة بالمناعة.
أمّا الطعام، فقد يتغيَّر جذرياً أثناء السفر. فعدم انتظام الوجبات والاعتماد المتكرِّر على الوجبات السريعة وقلّة تناول الفواكه والخضراوات، قد يحرم الجسم من الألياف ومجموعة من العناصر الغذائية التي يحتاج إليها للحفاظ على وظائفه الطبيعية.
خطوات بسيطة
لكن يمكن للمسافر أن يقلّل هذه الضغوط بخطوات بسيطة: النوم قدر الإمكان وفق مواعيد منتظمة، التعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار عند الانتقال بين المناطق الزمنية، شرب الماء بانتظام، غسل اليدَين، تجنُّب لمس الوجه كثيراً، والحفاظ على نظام غذائي متوازن حتى أثناء التنقل. كما يساعد النشاط البدني الخفيف، مثل المشي، على كسر ساعات الجلوس الطويلة. ويبقى التطعيم المناسب للوجهة أحد أهم الإجراءات الوقائية عند السفر إلى بعض البلدان، خصوصاً عندما تكون هناك مخاطر صحية محدّدة. كما ينبغي استشارة الطبيب قبل السفر في الحالات التي تتطلّب احتياطات خاصة.
في النهاية، ليست الطائرة هي التي تضعف جهاز المناعة، بل مجموعة العادات والظروف التي قد ترافق السفر المتكرّر. وعندما يحصل الجسم على النوم والغذاء والحركة والراحة التي يحتاج إليها، يمكن أن يصبح السفر أقل إرهاقاً للمناعة وأكثر لطفاً على الجسم، حتى عندما تتكرّر الرحلات.