The Substance: الجسد ساحة للحرب
The Substance: الجسد ساحة للحرب
Saturday, 15-Aug-2026 06:27

هناك أفلام رعب تخيف المشاهد، وأخرى تجعله ينظر إلى المرآة بطريقة مختلفة. The Substance ينتمي إلى النوع الثاني. ففيلم المخرجة الفرنسية كورالي فارجيه، لا يستخدم الرعب لمطاردة المشاهد فقط، بل يُحوِّله إلى سلاح نقدي ضدّ هَوَس الجمال والشباب والصورة المثالية، وضدّ صناعة كاملة، تُقنع الإنسان بأنّ جسده مشروع دائم يحتاج إلى الإصلاح.

في قلب الحكاية توجد إليزابيث سباركل، نجمة تلفزيونية سابقة تؤدّي دورها ديمي مور، تجد نفسها أمام الحقيقة التي تخشاها صناعة الترفيه أكثر من أي شيء آخر: أصبحت أكبر سناً. البرنامج الذي تقدّمه لم يعُد يريدها، والمنتجون يبحثون عن وجه أكثر شباباً، بينما يبدو أنّ سنوات النجاح يمكن أن تختفي في لحظة بمجرّد أن يتغيَّر شكل الوجه.
لكنّ إليزابيث تحصل على فرصة غير عادية. مادة غامضة تحمل اسم The Substance تستطيع، كما يُقال لها، أن تُنتج نسخة أصغر وأكثر جمالاً منها. ليست امرأة أخرى تماماً، بل نسخة منها، شابة، مثالية، قادرة على منحها ما تشعر بأنّها فقدته. هنا يبدأ الفيلم في طرح سؤاله الأكثر قسوة: ماذا لو استطاع الإنسان أن يصنع النسخة التي يتمنّى أن يكونها؟

ما الهدف من النسخة الشابة؟
الجواب الذي تقدّمه فارجيه ليس مريحاً على الإطلاق. فالنسخة الشابة، التي تجسّدها مارغريت كوالي، ليست مجرّد وسيلة لاستعادة الشباب. إنّها تمثل الصورة التي فرضتها صناعة الترفيه على إليزابيث طوال حياتها: جسد مثالي، وجه مثالي، حركة مثالية، ولا مساحة للضعف أو العمر أو التعب.
لكنّ المشكلة أنّ النسختَين تشتركان في جسد واحد وحياة واحدة. وبمرور الوقت، تتحول العلاقة بين إليزابيث ونسختها الشابة إلى صراع على الوجود. كل واحدة منهما تريد المزيد من الوقت، والمزيد من الاهتمام، والمزيد من الحياة.
وهنا يتحوَّل الفيلم من قصة عن الجمال إلى قصة عن الاستغلال الذاتي. إليزابيث لا تحتاج في البداية إلى شخص آخر ليكره جسدها؛ لقد تعلّمت أن تفعل ذلك بنفسها. المجتمع والصناعة والرجال الذين يحيطون بها وضعوا المعايير، لكنّها في النهاية تصبح الحارسة الأكثر قسوة لهذه المعايير. إنّها تنظر إلى نفسها بعين السوق نفسها.
وهذه واحدة من أكثر أفكار الفيلم ذكاءً: السلطة لا تحتاج دائماً إلى إجبار الإنسان على شيء عندما تستطيع إقناعه بأنّه يفعله بإرادته.

الحدود القصوى
المخرجة لا تختار الطريق الواقعي أو الهادئ لمعالجة هذه الفكرة. على العكس، تدفع كل شيء إلى أقصى الحدود. الأجساد تتغيَّر، الجلد يتشوَّه، الدماء تتدفّق، والمرآة تتحوَّل إلى أداة رعب. إنّ الجسد الذي كان يُفترض أن يكون مصدراً للثقة يصبح مصدراً للقلق والاشمئزاز.
ومع ذلك، فإنّ المبالغة البصرية ليست مجرّد استعراض. كل تشوُّه وكل مشهد صادم يحمل معنى. الفيلم يريد للمشاهد أن يشعر بما تعنيه مطاردة الكمال عندما تتحوَّل إلى هوَس. فالكمال الذي يبدو جذاباً على شاشة الإعلانات يصبح مرعباً عندما نرى الثمن الذي يدفعه الإنسان للوصول إليه.

مور الضحية وكوالي المعاكسة
ديمي مور تقدّم أداءً لافتاً لأنّها لا تخشى أن تظهر شخصية إليزابيث في أكثر حالاتها ضعفاً وقسوة. إنّها ليست ضحية مثالية؛ تغضب، تحسد، تتردّد، وتؤذي نفسها. وهذا ما يجعل الشخصية أكثر إنسانية. مور، التي ارتبط اسمها طويلاً بصورة النجمة الهوليوودية، تضيف إلى الدور طبقة واقعية يصعب تجاهلها.
أمّا مارغريت كوالي، فتجسّد النقيض تماماً: الشباب والطاقة والجمال الذي لا يزال في بدايته. لكنّ الفيلم سرعان ما يكشف أنّ هذه الصورة المثالية ليست أقل هشاشة من إليزابيث نفسها. فالشابة التي تبدو وكأنّها تمتلك كل شيء، تعيش أيضاً تحت شروط قاسية: عليها أن تبقى مثالية طوال الوقت.
حتى شخصية هارفي، المنتج التلفزيوني الذي يؤدّيها دينيس كوايد، تأتي بصورة ساخرة ومتعمدة المبالغة. إنّه يجسّد عقلية صناعة تستطيع تحويل جسد المرأة إلى منتج، ثم التخلّص منه عندما تنخفض قيمته السوقية.
لكنّ The Substance لا يكتفي بمهاجمة الرجال أو هوليوود. وهذه نقطة مهمّة. فالفيلم يذهب أبعد من ذلك، نحو الثقافة التي جعلت تقييم الذات مرتبطاً بصورة الجسد. إنّه يسأل لماذا أصبح الإنسان يشعر بأنّ عليه أن يكون أصغر وأجمل وأنحف وأكثر جاذبية حتى يستحق الحب والنجاح والوجود.
لذلك، فإنّ الرعب الحقيقي في الفيلم ليس الدم ولا التشوهات. الرعب هو الفكرة التي تقف خلف كل ذلك: أن يصل الإنسان إلى مرحلة يكره فيها صورته الطبيعية إلى درجة الاستعداد لتدمير نفسه من أجل نسخة «أفضل» منها.
قد يبدو الفيلم في بعض لحظاته مفرطاً، بل فوضوياً، وقد يشعر بعض المشاهدين أنّ النصف الأخير يذهب بعيداً في الجنون البصري. لكنّ هذا التطرُّف جزء من منطقه. فارجيه لا تريد تقديم محاضرة عن معايير الجمال؛ تريد أن تجعل المشاهد يشعر بالاختناق الذي يمكن أن تنتجه هذه المعايير.
وفي النهاية، تتحوَّل المرآة إلى أهم رمز في الفيلم. إليزابيث لا تنظر إليها لترى نفسها، بل لترى الفارق بين ما هي عليه وما يُطلب منها أن تكونه. وبين الصورتَين تضيع المرأة الحقيقية.
The Substance ليس فيلماً يقول لنا ببساطة إنّ الجمال سطحي. رسالته أكثر قتامة: عندما يصبح الجمال شرطاً للقبول، يمكن أن يتحوَّل السعي إليه إلى شكل من أشكال العنف. وهنا ينجح الفيلم في جعل الرعب خارج الشاشة أقل أهمّية من الرعب الذي نعرفه جميعاً: ذلك الصوت الداخلي الذي يخبرنا بأنّنا لسنا جيّدين بما يكفي.

theme::common.loader_icon