أطباء بلا حدود... نصف قرن في بلد الأزمات
أطباء بلا حدود... نصف قرن في بلد الأزمات
جيريمي ريستور
منسق أطباء بلا حدود في لبنان
Wednesday, 19-Aug-2026 07:26

يحمل مرور 50 عاماً على حضور «أطباء بلا حدود» في لبنان دلالة تتجاوز الاحتفال بذكرى تأسيسية. فمنظمة دخلت البلاد للمرّة الأولى خلال الحرب الأهلية، وجدت نفسها أمام أزمات متعاقبة لم تنتهِ فعلياً، بل تبدّلت أشكالها وتراكمت آثارها. وفي هذه المسيرة، تحوّل لبنان إلى إحدى التجارب التي ساهمت في تطوير قدرة المنظمة على التعامل مع حالات الطوارئ المعقّدة حول العالم.

يحمل شعار المنظمة في هذه المناسبة، «الإيد عالجرح بتشفي»، معنى إنسانياً واضحاً، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أكثر صعوبة: إلى أي حدّ يمكن للعمل الإنساني أن يعالج نتائج أزمات تتجاوز القطاع الصحي؟ فاليد تستطيع تضميد جرح، أو تقديم لقاح، أو مساعدة طفل يعاني من آثار الصدمة، لكنها لا تستطيع وقف الحرب، أو إصلاح البنى التحتية المتداعية، أو معالجة نظام سياسي واقتصادي مأزوم.

 

أزمات تتراكم ولا تتبدّل

ربما تكمن المفارقة الأبرز في أنّ استمرار الحاجة إلى العمل الإنساني بعد نصف قرن لا يعكس فقط قدرة المنظمات على مواصلة نشاطها، بل يكشف أيضاً عن أزمات لم تجد طريقها إلى حلول مستدامة. فالتصعيدات العسكرية الإسرائيلية، والتهجير، والفوارق الاجتماعية، والأوضاع الاقتصادية الصعبة، والفشل البنيوي في قطاعات أساسية، كلها عوامل تدفع الفئات الأكثر هشاشة إلى مزيد من الانكشاف.

ولا تعمل هذه الأزمات بصورة منفصلة. فالانهيار الاقتصادي يمكن أن يزيد هشاشة الأُسر، والتهجير يفاقم انعدام الأمان، فيما يضع تراجع القدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية مزيداً من الضغط على قطاع صحي يعاني أصلاً. ومع كل أزمة جديدة، تضاف طبقة أخرى إلى مشهد اجتماعي وإنساني بالغ التعقيد.

 

الصحة أبعد من العلاج

توضّح تجربة العامل المهاجر السوداني الفلسطيني أحمد، الذي هُجّر قسراً من جنوب لبنان بفعل الحرب الحالية، كيف تتداخل العوامل الإنسانية والقانونية والاجتماعية. فالمشكلة لا تتوقف عند الحصول على علاج طبي، لأنّ المريض قد يعود إلى منزل غير صالح للسكن، أو يجد نفسه مضطراً إلى المفاضلة بين شراء الطعام وتأمين الدواء.

 

هذه الوقائع دفعت المنظمة إلى توسيع مقاربتها، فلا تقتصر على علاج المرض، بل تشمل الدعم النفسي والاجتماعي، والعمل الاجتماعي والحماية. فالظروف التي يعيش فيها الإنسان تحدّد بدرجة كبيرة احتمالات مرضه وقدرته على الوصول إلى الرعاية وفرص تعافيه، ما يجعل معالجة الأسباب الاجتماعية للصحة جزءاً من الاستجابة للحاجة الإنسانية.

 

حدود العمل الإنساني

لكنّ الاستمرار في تقديم المساعدة لا يعني أنّ المنظمات الإنسانية قادرة على معالجة جذور الأزمات. ففي لبنان، يعمل أكثر من 300 موظف محلي مع «أطباء بلا حدود»، وهم أنفسهم يعيشون الضغوط الأمنية والاجتماعية التي تواجه المرضى والمجتمعات التي يخدمونها. ومع ذلك، فإنّ قدرة العاملين على الصمود لا ينبغي أن تتحوَّل إلى مبرّر لتأجيل الحلول السياسية والمؤسساتية.

 

فالعمل الإنساني لا يستطيع إنهاء النزاعات أو معالجة الظلم المنهجي، كما لا يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تحل محل الدولة في حماية المدنيّين وضمان الوصول إلى الرعاية الصحية واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني. وإذا طال أمد الأزمات، قد تتحوَّل المساعدات، من حيث لا يُراد، إلى وسيلة لإدارة المعاناة بدلاً من معالجة الأسباب التي تنتجها.

 

من العلاج إلى الشهادة

لهذا لا تقتصر المسؤولية، وفق هذا التصوّر، على تقديم الرعاية. فعندما تتعرّض المرافق الطبية أو العاملون الصحيّون والإنسانيّون للخطر، أو عندما تؤدّي السياسات والأعمال العسكرية إلى عرقلة الوصول إلى الخدمات، يصبح توثيق ما يحدث والتحدّث عنه جزءاً من العمل الإنساني نفسه. وتقوم المعادلة على مسارَين متوازيَين: البقاء إلى جانب المحتاجين، وعدم السماح للرعاية بأن تحجب الأسباب التي أوصلتهم إلى الحاجة إليها.

 

الهدف: ألّا تبقى الحاجة دائمة

يمكن للرعاية الطبية والحماية الاجتماعية أن تخففان من المعاناة، لكن لا يمكنهما إنهاء العنف الذي يأتي بهما، ما يتطلب مساءلة، وتغييرًا في السياسات، وقيادة سياسية. لهذا يمثل الإدلاء بالشهادة جزءًا لا يتجزأ من عملنا الطبي والاجتماعي. فعندما نشهد هجمات عسكرية وسياسات تعرقل الرعاية الصحية، أو نشهد استهداف المدنيين والمرافق الطبية والعاملين في المجال الإنساني، لا يمكننا أن نخيط الجراح بصمت. نحن نوثّق ونرفع أصواتنا. تحمل مسؤوليّتنا وجهَين: أن نبقى إلى جانب الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية، وألّا نسمح لهذه الرعاية بحجب أسباب حاجتهم إليها.

 

لم توجد المنظمات الإنسانية لتكون دائمة. فقد استجابت فرق أطباء بلا حدود للأزمات في لبنان على مدى خمسة عقود، وهذا ليس مجرد تعبير عن قدرة تحمّلنا، بل هو دليل على استمرار أزمات لأجيال. يكمن هدفنا في مساعدة الناس على النجاة بكرامة، فيما نذكّر العالم بأنّ الإغاثة الإنسانية ليست إلّا جسرًا موقتًا.

 

مع مضي 50 عامًا على وجودنا في لبنان، نؤكّد مجددًا التزامًا ثنائيًا: أن نصون استقلاليتنا وعدم تحيّزنا في تقديم الرعاية، وأن نطالب بمستقبل لا حاجة فيه إلى وجودنا. غاية آمال أطباء بلا حدود هي انتفاء الحاجة إليها. وحتى ذلك اليوم، يظل التزامنا كما كان قبل خمسة عقود: أن نمدّ أيدينا لأشدّ المحتاجين إليها، ونقدّم الرعاية لمن يعيشون الأزمات، وندلي بشهادتنا على الخسائر البشرية فيما يغض العالم طرفه. لا يهمّ كم تدوم الحاجة لهذه الأيدي، فالغاية أن تنتفي الحاجة إليها يومًا ما.

theme::common.loader_icon