الصراع الوجودي: والخريطة الجيوسياسية الجديدة
الصراع الوجودي: والخريطة الجيوسياسية الجديدة
د. خالد العزّي
Friday, 21-Aug-2026 07:04

تُؤثّر أزمة وجودية عالمية على الجميع، إذ إنّ التغيير الذي يجب أن نحدثه في أنفسنا هو شرط أساسي لرؤية «سماء جديدة وأرض جديدة» خلف أفق الصراع. من المستحيل أن نمرّ من هذه المرحلة ونعود إلى حياتنا السابقة كما كانت، فالمستقبل مشوب بالغموض، لكن ذلك لا يعني الاستسلام.

 

يبقى مصطلح «الحرب العالمية الثالثة» حاضرًا في الخطاب اليومي، بين من يراها حتمية، ومن يعتقد أنّها بدأت بصيغة غير مرئية، ومن يتعامل مع كل تصعيد دولي بوصفه بداية محتملة لها. غير أنّ التجربة التاريخية تُظهر أنّ الحروب العالمية لا تنفجر فجأة، بل تتكوّن تدريجيًا عبر تراكم صراعات إقليمية ومحلية تتوسع حتى تكتسب طابعًا عالميًا.

الحروب العالمية السابقة: دروس وعِبَر

الحرب العالمية الأولى كانت في جوهرها حرب توسّع إمبريالي، رغم أنّ أطرافها تعاملت مع بعضها بوصفه عدوًا مطلقًا. أما الحرب العالمية الثانية فقد اتخذت طابعًا أعمق، إذ تحولت إلى صراع بين رؤى متناقضة للعالم يقوم على منطق «نحن أو هم»، ما جعلها صراعًا يتجاوز الجغرافيا إلى شكل النظام الدولي ومعنى القوة والشرعية.

 

تحوّل العديد من الصراعات المعاصرة إلى صراعات ذات طابع وجودي، حيث يُنظر إلى الخصم باعتباره تهديدًا للهوية أو البقاء. لكن اختزالها في دوافع مادية بحتة يبقى تبسيطًا مخلًا، إذ تختلط فيها السياسة بالأيديولوجيا والدين والرموز، فتغدو أقرب إلى صراع على المعنى بقدر ما هي صراع على المصالح.

 

وفي هذا السياق، لم تعد الخطابات السياسية منفصلة عن الأبعاد القيمية أو العقائدية، بل باتت تتغذى عليها وتعيد إنتاجها، ما يعكس تعقيد البنية الفكرية التي تُدار بها الصراعات الحديثة.

 

إيران وأوكرانيا: تداخل الهوية والصراع

في الحالة الإيرانية، يمتزج البعد القومي بالمخزون العقائدي والتاريخي، بما يمنح الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل طابعًا يتجاوز الحسابات التقليدية إلى صراع على التاريخ والمعنى. وفي المقابل، تضع إسرائيل مفهوم «التهديد الوجودي» في قلب بنيتها السياسية، ما يجعل العداء مع إيران جزءًا من تعريفها الذاتي.

 

أما في الحالة الأوكرانية، فقد أصبح الصراع مع روسيا عنصرًا مركزيًا في تشكيل الهوية الوطنية، في حين ينظر بعض الخطاب الروسي إلى استمرار أوكرانيا بصيغتها الحالية بوصفه تهديدًا مباشرًا، ما يجعل الصراع يتجاوز السياسة إلى إعادة تعريف المجال الجيوسياسي في شرق أوروبا.

 

الاتحاد الأوروبي: هوية قيد التشكّل

الاتحاد الأوروبي، الذي تأسس على تجاوز الحروب داخل القارة، وجد نفسه أمام تحدّيات جديدة أعادت اختبار وحدته. فقد منحت الحرب الروسية- الأوكرانية دفعة للتماسك، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن تباينات داخلية في الرؤية تجاه روسيا والولايات المتحدة، ما يدل إلى أنّ الهوية الأوروبية ما زالت في طور التشكّل.

 

يتسع الشرخ داخل المنظومة الغربية، سواء على مستوى الرؤية السياسية أو الاستراتيجية. وفي هذا السياق، يبرز الصراع بين الولايات المتحدة والصين، بوصفه محور التحول في النظام الدولي، إذ لم يعد التنافس اقتصاديًا أو تكنولوجيًا فقط، بل امتد إلى نموذج الحكم وصياغة قواعد النظام العالمي.

 

هذا التحول يعكس انتقال العالم من أحادية القطبية إلى تعددية أكثر تعقيدًا، حيث تتوزع القوة بين مراكز متعددة بدل مركز واحد مهيمن. ومع ذلك، فإنّ الصراع القادم لا يبدو مرشحًا لأن يكون حربًا شاملة تقليدية، بل أقرب إلى صراع طويل على الرؤى والنماذج والمفاهيم.

 

الخريطة الجيوسياسية الجديدة

يتّجه العالم نحو إعادة تشكّل واضح في موازين القوى. فالمنظومة الغربية لم تعد كتلة متماسكة، بينما تتعزز مراكز قوة أخرى، في مقدمتها الصين وروسيا، مع بقاء الولايات المتحدة في موقع تنافسي. وهكذا يتحول الصراع العالمي إلى صراع على شكل النظام الدولي ونموذج القيادة، لا مجرد نفوذ جغرافي أو اقتصادي.

 

ومع ذلك، فإنّ هذا الصراع لن يكون حربًا شاملة تقليدية، بل أقرب إلى صراع على الرؤى والقيم والنماذج الحضارية، حيث يُطرح سؤال أساسي: أي نموذج سيحدّد شكل العالم القادم؟

لذا، يتجاوز الصراع اليوم حدود الدول ليشمل الوعي الفردي أيضًا، حيث لم يعد الإنسان منفصلًا عن التحولات الكبرى، بل جزءًا من ساحة تنافس على المعنى والهوية والتصورات المستقبلية.

 

في النهاية، لا يمكن الهروب من هذه الأزمة الوجودية التي تتجذر في مستويات عميقة من التاريخ والسياسة والثقافة. إنّها مواجهة لا يمكن تفويضها لأحد، لأنّ كل فرد بات معنيًا بها بطريقة أو بأخرى، في عالم تتسارع فيه التحولات ويزداد فيه الغموض.

theme::common.loader_icon