كيف تنجو الشعوب في زمن تتوالد فيه الحروب؟
كيف تنجو الشعوب في زمن تتوالد فيه الحروب؟
محمود القيسي
Saturday, 22-Aug-2026 06:44

إلى مَن يهمّهم الأمر، إلى الحكّام الذين يبيعون الأوهام، إلى النُخَب التي تبرّر الفشل، إلى الشعوب التي ملّت من خطاب «ما باليد حيلة»،كفى بكاءً على الأطلال. العالم لا يرحم الضعفاء، والمنطقة التي تتوالد فيها الحروب كل 5 سنوات لا مكان فيها للمتفرّجين. الشرق الأوسط اليوم مختبر مفتوح للفشل... أو للمعجزة. والسؤال ليس «هل نستطيع النجاة؟» بل: «مَن يملك الجرأة لينسخ النجاح بدل استيراد الهزيمة؟».

في كتابه «الإصلاح: كيف تنجو الأمم وتزدهر في عالم يتداعى؟» يجيب الصحافي الأميركي جوناثان تيبيرمان بلا مواربة: نعم، يمكن. ليس بالتنظير، بل بـ10 قصص دم وعرق من دول كانت في القاع وقرّرت أن تقوم.

الإرادة تصنع المعجزات
ينطلق تيبيرمان، مدير تحرير «فورين أفيرز»، من فكرة بسيطة وقاسية: الفقر، الفساد، الإرهاب، الجمود السياسي... ليست قدراً. هي خيارات. وخلف كل كارثة هناك قرار سياسي فاشل، وخلف كل نهوض هناك قيادة جريئة كسرت التابوهات. الكتاب ليس حبراً على ورق. هو 10 «مختبرات» نجاح حقيقية من 4 قارات:
1- البرازيل - «المكاسب للشعب»: بولسا فاميليا انتشل ملايين من الفقر عبر تحويلات نقدية مشروطة.
2- كندا - «دع الأشخاص المناسبين يفدون»: حوّلت الهجرة من أزمة إلى محرّك نمو واندماج.
3- إندونيسيا - «إقتلهم بالرحمة»: سحقت التطرُّف الإسلامي بمزيج أمن + حوار + اندماج.
4- رواندا - «تعلّم أن تتعايش»: بعد الإبادة، بنت بول كاغامي دولة من رماد المصالحة.
5- سنغافورة - «إفترض الأسوأ»: حاربت الفساد برواتب عالية وعقوبات أشدّ. صفر تسامح.
6- بتسوانا - «ألماس لا يدوم»: هزمت «لعنة الموارد» وحولت الألماس لتنمية مستدامة.
7- أميركا - «هذه الأرض»: فجّرت ثورة الصخر النفطي وتحوَّلت لمصدر طاقة.
8- كوريا الجنوبية - «إصنع معجزتك»: من الخراب إلى عملاق صناعي بالسياسات الموجّهة.
9- المكسيك - «إعطِ لتحصل»: كسرت الجمود الحزبي وأعادت تشغيل الدولة.
10- نيويورك - «دافع عنها بنفسك»: بعد 11 سبتمبر، بلومبرغ بنى مدينة آمنة ومنتجة.
«نيويورك تايمز» وصفته بـ «مقنع ومفصَّل بشكل مثير». و»فايننشال تايمز» قالت: «يستعيد الشعور المفقود بالتفاؤل». الرسالة واحدة: الحلول موجودة. تمّ اختبارها. وتنتظر مَن يجرؤ على تطبيقها.
والشرق الأوسط؟ أين نحن من هذا؟ هنا السؤال الموجع. نحن المنطقة الأكثر غنى بالموارد، والأكثر فقراً بالإرادة. عندنا إيران الثيوقراطية تصدّر الموت والميليشيات. عندنا لبنان المخطوف رهينة سلاح وفساد. عندنا الحشد الشعبي جاثم على صدر العراق. وعندنا عصابة الحوثي تخنق اليمن.
وفي المقابل، عندنا تجربة عظيمة في الخليج: دول قرّرت أن تستثمر في الإنسان والبنية والتنويع الاقتصادي، على رغم من النار المشتعلة حولها. هذا دليل أنّ «الاستثناء» ممكن حتى في عين العاصفة.

فأي نموذج ينفعنا؟
1- النموذج السنغافوري لمكافحة الفساد: نحتاجه كالأوكسجين. رواتب محترمة وسجن لكل مَن يمد يده. لا حصانات.
2- النموذج الإندونيسي لمواجهة التطرُّف: أمن صارم مع خطاب ديني منفتح ودمج اجتماعي. لا أمن فقط، ولا خطاب فقط.
3- النموذج البرازيلي لمكافحة الفقر: شبكة أمان حقيقية تربط المساعدة بالتعليم والصحة، مش بالإذلال.
4- النموذج الكوري للتنمية: دولة تقود الصناعة وتستثمر في التعليم والتكنولوجيا بدل الريع.
لكن انتبه: النقل الحرفي يعني انتحاراً. العقبة ليست في النموذج. العقبة في المحاصصة الطائفية، سلاح الميليشيات، اقتصاد الريع، وثقافة «الزعيم الملهم» الذي يقدّس الفشل.
أيها القادة: التاريخ لا يسأل عن نواياكم. يسأل عن نتائجكم. وأيها الشعوب: لا تنتظروا منقذاً من السماء. الأمم التي نجت صنعت قياداتها، ولم تنتظرها.
تيبيرمان يذكّرنا بحقيقة قاسية: الأزمات ليست نهاية. الأزمات هي بوابة. إما ندخلها فنبني، أو نبقى خارجها فنموت.
الشرق الأوسط لا يحتاج لمعونات. يحتاج لقرار. قرار بكسر عقد الفساد. قرار بنزع سلاح الميليشيات. قرار بوضع الإنسان قبل الأيديولوجيا.
مَن يريد أن ينجو، سينجو. ومَن يريد أن يبرّر فشله بالحروب، سيغرق بها هو أولاً. الكرة الآن في ملعبنا. فإما إصلاح... أو انحدار لا رجعة فيه.

theme::common.loader_icon