حين يصل الجرحى إلى قسم الطوارئ، تتقدّم حاجتهم إلى الرعاية على كل شيء. لكنّ الطبيب أو الممرّضة أو المسعف، قد يكون بدوره خائفاً على عائلته، أو مهجّراً من منزله، أو مثقلاً بفقدان شخص قريب، ما يجعل التعبير عن مشاعره صعباً وسط مسؤوليات العمل. لمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، تسلّط تجربة «أطباء بلا حدود» في جنوب لبنان الضوء على احتياجات العاملين في الخطوط الأمامية، وأهمية توفير الرعاية النفسية لمن يواصلون رعاية الآخرين تحت ضغط الحرب.
وتوضّح عبير شاهين، المعالجة النفسية في «أطباء بلا حدود»، أنّ الضغوط المهنية تتداخل مع المخاوف الشخصية والعائلية، فيما تتراجع الاحتياجات النفسية أمام مسؤوليات لا تحتمل التأجيل.
مشاهد ترسخ بعد انتهاء العمل
تستمع عبير إلى مسعفين يستعيدون مشاهد تظل راسخة في ذاكرتهم بعد انتهاء مهامهم. فالخوف والحزن والإرهاق لا تنتهي بالضرورة بانتهاء الاستجابة، بل ترافقهم إلى المهمّة التالية.
وتشير إلى أنّ تراكم الخسائر يصعّب التعامل معها، إذ يجد بعض الأشخاص أنفسهم عاجزين عن تحديد أيّ خسارة يمنحونها مساحة للحزن أولاً.
وقد تظهر الضغوط في النسيان، صعوبة التركيز، اضطرابات النوم، تغيّر عادات الأكل، وتوتّر العلاقات الأسرية. كما يصعب على البعض الشعور بالأمان، خصوصاً أثناء النوم، خشية تلقّي طلب إخلاء أو استدعاء طارئ.
حين تصبح الرعاية النفسية مؤجّلة
يمثّل ضيق الوقت أحد أبرز العوائق أمام تقديم الدعم، إذ قد يحتاج العامل الصحي إلى جلسة نفسية فيما ينتظره المرضى في الطوارئ. ومع تراكم مسؤوليات العمل والمنزل، تصبح العناية بالصحة النفسية مؤجّلة.
ويزداد الأمر صعوبة عندما لا توفّر بيئة العمل وقتاً فعلياً للدعم، ما يجعل المسؤولية مشتركة بين المؤسسات والفرق والأفراد. وتُضاف إلى ذلك الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة؛ فبعض العاملين يشعرون بأنّ عليهم البقاء أقوياء في الأزمات، ويرَون في الإفصاح عن تعبهم علامة ضعف، ما يصعّب الاعتراف بحاجتهم إلى الدعم.
مساحة للتعبير والدعم
قدّم فريق الصحة النفسية في «أطباء بلا حدود» دعماً نفسياً واجتماعياً للعاملين في الخطوط الأمامية بجنوب لبنان، شمل جلسات جماعية وفردية، وتوعية نفسية، وإحالات ومتابعة بحسب الاحتياجات.
ومنذ أيار 2026، نُفّذت 40 جلسة جماعية، تجاوز مجموع الحضور المسجّلين فيها 350 شخصاً. وتناولت إدارة التوتر والحزن والفقد والاحتراق الوظيفي والإرهاق الناجم عن التعرّض المستمر لمعاناة الآخرين، إلى جانب تعزيز التواصل بين الزملاء.
وفّرت الجلسات مساحة آمنة وسرّية للتعبير عن المشاعر وفهم الاستجابات النفسية للضغط، مع متابعة فردية لِمَن احتاجوا إلى دعم إضافي.
وترى عبير أنّ العناية بالنفس تبدأ أحياناً بلحظات بسيطة للراحة. ويُنصح بأخذ استراحات قصيرة، عدم تجاهل الإرهاق، التحدّث مع شخص موثوق، والاستعانة بمختص إذا بدأ التوتر أو الحزن يؤثر في الحياة اليومية والعلاقات. فطلب الدعم ليس علامة ضعف.
المعالجون النفسيون يحتاجون إلى الرعاية أيضاً
تقول عبير، إنّ بعض الجلسات تترك لديها شعوراً بالرضا عن مساعدة الآخرين، يقابله استنزاف نتيجة الاستماع إلى تجارب مؤلمة. وتدرك أنّ ما تسمعه لا يمثّل سوى جزء من معاناة أصحابها. وعلى رغم من استعدادها النفسي للعمل الميداني مع «أطباء بلا حدود»، يبقى الاهتمام بصحتها النفسية ضروريًا لمواصلة دعم الآخرين.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، تدعو العاملين في الخطوط الأمامية إلى التوقف والتفكير في احتياجاتهم، مؤكّدةً أهمية توفير الوقت والمساحة والدعم لهم. كما تدعو زملاءها المعالجين النفسيّين إلى الرفق بأنفسهم، وتذكّر أنّهم بشر يحتاجون، بدورهم، إلى الراحة والمساندة والتعبير عن تعبهم وطلب الدعم.