حين يقرّر العقل ما نراه
حين يقرّر العقل ما نراه
آية يوسف المسلماني
Saturday, 17-Oct-2026 06:46

لو أحضر أحدهم إناءً من الماء، وأخبرك أنّ شخصاً وضع قدمَيه فيه لخمس دقائق، ثم طلب منك أن تغسل وجهك بهذا الماء، ماذا ستكون ردّة فعلك؟ على الأرجح سترفض فوراً، وربما تشعر بالاشمئزاز لمجرّد تخيُّل الأمر. لكن لماذا لا نشعر بالإحساس نفسه عندما ننزل إلى حوض السباحة؟

نعرف أنّ عشرات الأشخاص وربما المئات، دخلوا إلى المياه نفسها، بأقدامهم وأجسادهم، ومع ذلك نسبح فيها ونغمر وجوهنا ورؤوسنا، من دون أن تستفزنا الصورة بالطريقة نفسها.
صحيح أنّ مياه المسابح تخضع للتعقيم والمعالجة، وبالتالي، لا نتحدّث هنا عن مقارنة علمية بين الحالتَين، بل عن ردّة فعل نفسية تستحق التوقف عندها. في الحالة الأولى رسمت عبارة واحدة مشهداً منفّراً في أذهاننا: شخص وضع قدمَيه في الماء. أمّا في الثانية، فالمسبح مرتبط في وعينا بالسباحة والترفيه، لذلك لا نستحضر عادةً تفاصيل كل الأجساد التي مرّت في مياهه.
الماء هنا ليس القضية. القضية هي الصورة التي سبقت حكمنا عليه. ومن هذه المفارقة البسيطة يمكن أن نذهب إلى سؤال أوسع بكثير: كم مرّة نحكم على أشياء في حياتنا بالطريقة نفسها؟
منذ طفولتنا تتشكّل داخلنا تصنيفات كثيرة قبل أن نمتلك القدرة على مناقشتها. ما هو مقبول وما هو مرفوض، ما هو جميل وما هو قبيح، ما الذي يليق بنا وما الذي لا يليق، ممَّ نخاف، وممَّ نخجل، وما الذي نعتبره طبيعياً.

المعايير الموروثة
نكتسب بعض هذه المعايير من العائلة، وبعضها من المجتمع والثقافة والتجارب. ثم نكبر فنجدها مستقرة في داخلنا، إلى درجة يصعب معها أحياناً التمييز بين ما توصّلنا إليه بأنفسنا وما وصل إلينا جاهزاً. وهذا يظهر بوضوح في نظرتنا إلى الآخرين.
قد نرتاح إلى شخص من اللقاء الأول، لأنّ مظهره وطريقته ينسجمان مع صورة سابقة لدينا عن الشخص المحترم أو الموثوق، وقد ننفر من آخر للسبب المعاكس، قبل أن يمنحنا أي منهما دليلاً حقيقياً يستحق هذا الحكم.
الأمر نفسه قد يحدث مع فكرة جديدة أو مهنة أو علاقة أو أسلوب حياة أو قرار اتخذه شخص بطريقة تختلف عن الطريقة التي نعرفها. ولعلّ أبسط دليل على أنّ كثيراً من تصنيفاتنا ليست مطلقة هو اختلافها بين المجتمعات والأجيال.
ما يبدو غريباً في بيئة ما قد يكون عادياً في أخرى، وما كان مستهجناً قبل عقود أصبح اليوم جزءاً طبيعياً من الحياة والعكس صحيح. وهذا لا يعني أنّ كل ما تربَّينا عليه خاطئ، ولا أنّ كل مألوف يجب أن نتمرّد عليه، كما لا يعني أنّ كل جديد يستحق القبول.
الفكرة أبسط من ذلك وأصعب في الوقت نفسه، وهي أن نعرف لماذا نؤمن بما نؤمن به. فالفرق كبير بين قناعة اختبرناها وفكرنا فيها ثم اخترناها، وبين فكرة لم نمنح أنفسنا يوماً فرصة لمناقشتها.

التكرار يعلمنا
العقل بطبيعته يرتاح إلى المألوف، والتكرار يمنح الأشياء شرعية نفسية غريبة. فما نراه باستمرار يتوقف عن إثارة انتباهنا، وما نسمعه طويلاً قد يصبح بديهياً حتى لو لم نسأل يوماً عن أساسه.
ولهذا ربما لا تكون مراجعة أفكارنا محاولة لهدم ما تربَّينا عليه، بقدر ما هي محاولة لمعرفة أنفسنا بصورة أفضل. أن نقف أحياناً أمام حكم نصدره بسرعة ونسأل من أين جاء؟
أمام خوف قديم ونسأل هل الخطر موجود فعلاً أم أنّ صورته فقط ما زالت موجودة في داخلي؟ وأمام فكرة نرفضها فوراً ونسأل: هل أرفضها بعدما فهمتها، أم أنني لم أمنح نفسي فرصة لفهمها أصلاً؟
قد تكون النتيجة أن نبقى على موقفنا نفسه وهذا طبيعي. لكنّنا عندها نكون قد اخترناه بوعي، بدل أن نكرّره فقط. فنحن لا نرى العالم بأعيننا وحدها. نراه أيضاً من خلال كل ما تراكم في داخلنا عبر السنوات.
وربما يكون أحد أكثر الأسئلة صدقاً التي يمكن أن يطرحها الإنسان على نفسه: هل هذه فعلاً قناعتي أم أنني فقط اعتدت أن أراها كذلك؟

theme::common.loader_icon