يدخل لبنان أسبوعاً محورياً لمجموعة من الاستحقاقات المالية والاقتصادية، تتفاوت في طبيعتها ومواعيدها، لكنّها تلتقي عند سؤال أساسي: هل تنجح الدولة في تحويل المبادرات والإصلاحات المعلنة إلى خطوات عملية، تخفِّف الأعباء عن المواطنين وتعيد تحريك النشاط الاقتصادي؟ وتتصدّر المشهد 3 ملفات رئيسية: مصير الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، الاستثمارات القطرية المرتقبة في الكهرباء، ومشروع موازنة 2027. وفي المقابل، تبرز مشاركة الصناعات الغذائية اللبنانية في معرض «سيال باريس»، إلى جانب نشاطات أكاديمية ومهنية مرتبطة بالتنمية والسياحة وفرص العمل.
المصارف والودائع: الامتحان الأصعب
يبقى ملف الودائع القضية المالية الأكثر حساسية، إذ لا يقتصر المطلوب على إحراز تقدُّم في المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، بل يشمل التوصُّل إلى آلية واضحة لتوزيع الخسائر، تحديد مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، ووضع مسار قابل للتنفيذ لاستعادة أموال المودعين.
وتفرض إعادة هيكلة القطاع المصرفي تحدّيَين متلازمَين: حماية حقوق المودعين وإعادة بناء قطاع قادر على تمويل المؤسسات والأفراد. فمن دون معالجة مستدامة للأزمة، ستبقى قدرة المصارف على استعادة دورها الطبيعي محدودة، فيما يواصل جزء كبير من النشاط الاقتصادي اعتماده على التعاملات النقدية والتمويل الذاتي.
ولا يتوافر موعد رسمي مؤكّد لاجتماع حاسم مع صندوق النقد، ممّا يجعل قياس التقدُّم الفعلي مرتبطاً بالقرارات والإجراءات الموثقة، لا بمجرّد التصريحات أو الوعود.
الكهرباء: المبادرة القطرية أمام اختبار التنفيذ
تفتح المبادرات القطرية الأخيرة نافذة جديدة لمعالجة أزمة الكهرباء اللبنانية، وخصوصاً بعد الإعلان عن اتفاق بين «قطر للطاقة» و«توتال إنرجيز» لتطوير محطة للطاقة الشمسية في لبنان. وجاء الإعلان خلال زيارة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إلى بيروت، وتناولت المحادثات التعاون في قطاع الطاقة والاستثمارات والبنية التحتية للكهرباء.
وأوضح رئيس الحكومة نواف سلام، أنّ البحث يشمل مشروعاً لتأهيل وتطوير وتحديث منشآت إنتاج الكهرباء وفق نموذج البناء والتشغيل ونقل الملكية، من دون تحميل الخزينة اللبنانية كلفة استثمارية مسبقة. غير أنّ الأهمية الاقتصادية للمبادرة تبقى مرتبطة بانتقالها إلى التنفيذ، تحديد القدرة الإنتاجية للمشروع، موقعه، كلفته، جدوله الزمني، وآلية ربطه بالشبكة الوطنية. فأزمة الكهرباء لا تقتصر على تراجع مستوى الخدمات، بل تنعكس مباشرة على كلفة الإنتاج الصناعي والتجاري وموازنات المؤسسات والأسر. ويمكن لأي تحسن مستدام في التغذية الرسمية أن يخفّف الاعتماد على المولدات الخاصة، شرط اقترانه بإصلاحات تقنية وإدارية ونظام تعرفة قابل للاستمرار.
موازنة 2027: اختبار أولويات الإنفاق
يشكّل مشروع موازنة 2027 استحقاقاً أساسياً للمالية العامة، وسط تساؤلات عن واقعية الإيرادات المقدَّرة، حجم الإنفاق، والاعتمادات المخصَّصة للرواتب والخدمات الأساسية والاستثمار العام. ويتمثل التحدّي في تجنُّب الاعتماد على زيادة الأعباء الضريبية وحدها لتحسين الإيرادات، من دون توسيع القاعدة الضريبية وتطوير الجباية ومكافحة التهرُّب. ومن شأن مناقشة المشروع أن تكشف أولويات الحكومة ومدى قدرتها على توجيه الموارد نحو تحسين الخدمات والبنية التحتية، بدلاً من الاكتفاء بتمويل النفقات التشغيلية.
استحقاق ضريبي للمؤسسات
واليوم، الثلثاء، هو الموعد المحسوب وفق المهلة العامة للتصريح عن الضريبة على القيمة المضافة عن الفصل الثالث من السنة وتسديد المستحقات المرتبطة بها. ويبقى ضرورياً أن يتحقق المكلفون والمحاسبون من التعليمات والمهل النافذة، وأي تمديد رسمي قد يصدر عن وزارة المال. ويكتسب هذا الاستحقاق أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه ضغوطاً مستمرة على السيولة وارتفاعاً في تكاليف التشغيل، ما يجعل الالتزام بالمواعيد الضريبية جزءاً أساسياً من إدارة التزاماتها المالية.
الصناعات الغذائية: رهان على التصدير
تتواصل حتى يوم غد الأربعاء، فعاليات معرض «سيال باريس 2026» الدولي للصناعات الغذائية، الذي انطلق في 17 تشرين الأول، بمشاركة لبنانية ضمن جناح وطني موحَّد. وتنظّم المشاركة نقابة أصحاب الصناعات الغذائية اللبنانية بالتعاون مع «هوسبيتاليتي سيرفيسز»، بهدف إبراز المنتجات اللبنانية وتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية. وتكمن أهمية المشاركة في قدرتها على تحويل الاتصالات التجارية إلى عقود تصدير فعلية، بما يساهم في توفير العملات الأجنبية ودعم الإنتاج وفرص العمل.
لكنّ المنافسة الدولية تضع المؤسسات اللبنانية أمام تحدّيات تتعلّق بكلفة الإنتاج والشحن، والالتزام بمعايير الجودة، والقدرة على تأمين الكميات المطلوبة بصورة منتظمة. ولا يُقاس نجاح المشاركة بحجم الحضور في المعرض وحده، بل بالنتائج التجارية التي يمكن تحقيقها واستدامة العلاقات مع المستوردين والأسواق الجديدة.
وبين مصير الودائع، وفرص الاستثمار في الكهرباء، وأولويات الموازنة، ورهانات التصدير والتوظيف، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً لقدرة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها. ويبقى المعيار الحاسم هو ما يتحقق على الأرض، لا ما يُعلن من خطط وتعهُّدات.