التطهير الأدبيّ وأزمة المعايير الثقافية
التطهير الأدبيّ وأزمة المعايير الثقافية
نسرين بلوط
Wednesday, 21-Oct-2026 07:46

التطهير الأدبي ينبع من المازوشية الحرفية التي تسيطر على مجتمعات تتغنى بحواشي الظهور المصقول بالرؤية لا بالرؤيا، فهو يتمسك بنسيج أخلاقي رقيق لا يكاد يكفي لتبرير منح لقب الشاعر أو الأديب، لكل مَن سوَّلت له نفسه امتطاء بساط الوعي الطريف بحقيقة لا يمتلكها. وهكذا يتخبَّط الميدان الثقافي بألوان متعدِّدة تهتاج في إناء «الأنا»، حيث لا يكون الجسد الأدبي خاضعاً لأي تشريح نقدي، بل محايداً عن كل حقيقة تبصر وترى.

الأنا واستعراض الوعي

من هنا، قد نسلِّم جدلاً بأنّ الزمن قد تغيَّر، ولو بقِيت المدارس الأدبية والمذاهب الفلسفية راسخةً في منهاج التاريخ، وحاضرةً في الانقسام الملتوي للهوية الحقيقية لكل مَن يقحم نفسه في غمار العالم الأدبي بسحر زائل. وقد تموضعت نفسه خارج ذاته، أو في هبات الهلوسة اللاشعورية التي تمنحه إحساساً متدفّقاً بأهمية مضطربة.

 

الملكية الثقافية ومصالح النشر

وبما أنّ المجتمع يعجّ بالكائنات التي تأسس وجودها على الملكية، فهو يدّعي اليوم بأنّه يعنى بالملكية الثقافية والأدبية لكل إنتاج جديد. والحق يقال إنّ التدهور الثقافي قد أسهم فيه كل مَن هبَّ ودبَّ من أرباب التسلّط الظهوري والنرجسية الادّعائية، وشجّعهم على ذلك كثير من دور النشر التي صنعت من أسماء واهية جاذبيةً موقتةً، بعد أن تفاقمت المصالح المادية والشخصية والنفسية.

 

والصورة الذاتية للإنسان دائماً ما تشكّل حقلاً شاسعاً منغلقاً على نفسه بالقوّة، لهذا، فهو لا يظهر أمام العدسة سوى ما يمنحه بريقاً يبرز خصالاً غير موجودة، وصفات تتأجّج بين الحقيقة والسراب.

 

دريدا وفرويد وسوسير: المعنى خارج سلطة الأنا

وبما أنّ هذا الزَيف الحاذق بات مهيّأً لحكم عالم الإبداع، يحضر الفيلسوف جاك دريدا بأفكاره النقدية مفكّكاً أواصر العبارات المكدّسة التي رطبتها أقلام عشوائية. ويتجلّى في هذا السياق نقده لاستقرار المعنى، وللعلاقات التي تحكم إنتاج الدلالة في اللغة، مع استحضار أفكار فرويد الذي تناول الحلم بوصفه خطاباً رمزياً قابلاً للتأويل، وشبه آلياته في بعض وجوهها بالكتابة الهيروغليفية. كما يحضر سوسير في تصور اللغة بوصفها نظاماً من العلامات لا تختزله إرادة الذات المتكلمة.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الكتابة بوصفها أثراً يتجاوز حضور صاحبها المباشر، ويحمل في بنيته إمكانات متعدّدةً للدلالة، ضمن خلخلة أنطولوجية تفتح مسارات جديدةً للتأويل. وهذا يسلط الضوء على العمق البصري والفكري لفكرة الكتابة الحقيقية التي تستمد امتدادها من الذاكرة الإنسانية وعناصرها الحسية والخارجية.

 

كذلك تلعب الأحاديات الروحية والمادية في الميتافيزيقيا دوراً في تصوُّر التطهير الحقيقي للأقلام، بالتوازي مع بنية النغم الموسيقي وهوامش المتن الكتابي التي تدلّل على تعاقبية الحدس الذاتي والحدث الخارجي.

 

حين يتحوَّل التنظير إلى حشو

كذلك يساهم الحضور والوعي الأدبيان في دعم جوهرية النصوص التي تكاد تختلط ببعضها من كثرة التكرار، فضلاً عن المواضيع الأدبية التي تصنع الكتابة أو تميتها من دون أن تحيي ذكراها. وبما أنّ شفافية النصوص باتت معلقةً على مزاجية أفرادها، فهي تساهم في اندحار الهالة العظمى للأدب الحقيقي، لتصبح كالمنوم المغناطيسي الذي يخدر الحواس آنياً، من دون أن يفصح عن مدلولات حقيقية للخلود.

 

التفكيك واستعادة المعنى

ونلحظ التفكيك القائم على تحليل النص الذي يرمي إلى الكشف عن معنى مغاير لما هو شائع من معاني النص. وهذا يحتاج إلى حدّة التبصُّر و»مكر الضبط»، أي إلى استجلاء المعنى المتشبِّث بمتن النص، مع رفض سلطة المعنى الأحادي الذي يدّعي احتكار دلالته.

 

هذه العناصر لا تتوافر في هذا الزمن بالقدر اللازم للتقييم والتجريد؛ فلا يكاد القارئ يستبطن المغزى الحقيقي للكتاب، حتى يصطدم بأنّ قراءته التفكيكية قد باتت محكومةً بتعقيدات فلسفة اللغة، وبالحشو الثري الذي يفتقر إلى معنى مباشر. وهذا ما يضعف قدرة الكاتب على التواصل مع جمهوره، ويخلق منه كائناً مكرّراً في عالم من الأدب الذي لا يحتاج إلى التنظير الفلسفي المحكم، بقدر ما يحتاج إلى التطهير الحقيقي، بعدسة ثاقبة من بصيرة تعتمل فيها آثار قوى حدسية وشحنات دلالية تفصل الجامد عن الحي، وتعيد إلى الأدب قوّته وشيوعه التثقيفي اللذَين انحسرا في ساحة التبارز بين الأقلام المدعية.

theme::common.loader_icon