أخبار الولايات المتحدة لا تبشّر بأي خرق إيجابي يُبنى عليه في جولة المفاوضات التي عُقِدَت على مستوى عسكري بين لبنان وإسرائيل في تامبا - فلوريدا، والمتابعون لمجرياتها يؤكّدون مراوحتها في النقاط الخلافية ذاتها، والاشتراطات التي تتخذها إسرائيل غطاء لعدم التزامها بمندرجات اتفاق الإطار، وتفشيل المناطق التجريبية ورفض توسيع نطاقها، وتركّز من خلالها على ما يرفضه لبنان بصورة قاطعة، لناحية انتهاج الجيش اللبناني أداء يخدم احتلالها منطقة جنوب الليطاني، وكذلك لناحية الشراكة المباشرة للجيش الإسرائيلي في ما سُمِّيت «أعمال التحقق». وأمّا أخبار الداخل، فعنوانها الرئيسي تمرير الوقت، حتى جلاء صورة المنطقة، ويوازيه الوضع الضاغط جنوباً، في ظل تزايد الاعتداءات الإسرائيلية على المناطق الجنوبية، التي تصاعدت مع ما أُعلِن أمس، عن بدء عمليات الاقتراع للجيش الإسرائيلي على جبهة الشمال، وتواكبت مع كثافة ملحوظة للطلعات التجسسية في أجواء الجنوب والبقاع الغربي، والتركيز بصورة خاصة على الضاحية الجنوبية، التي احتلّت أجواؤها طيلة نهار أمس، مجموعة من الطائرات المسيَّرة في آنٍ واحد وعلى علو منخفض.
ترقّب ومراوحة
يتابع لبنان، على مستوياته الرسمية والسياسية، نتائج «مفاوضات تامبا»، من دون استباق نتائجها أو رفع سقف التوقعات بشأنها. وتأتي هذه الجولة فيما لا تزال المندرجات التنفيذية لصيغة الإطار تواجه عقبات في التطبيق، مع بقاء المسار التفاوضي مفتوحاً. وفي هذا السياق، يشير مسؤول كبير إلى أنّ استمرار المفاوضات يؤكّد أنّ هذا المسار لم يُقفل، فيما تبقى النتائج العملية رهن ما تفضي إليه المناقشات.
وعلى الصعيد الداخلي، تستمرّ المراوحة في ظلّ الجفاء السياسي وما يتفرّع عنه من مناكفات وسجالات وتشنّجات، فيما تواجه الحكومة صعوبة في تفكيك الملفات العالقة والانتقال من الوعود إلى خطوات تنفيذية ملموسة. وتبقى الأولوية لتوفير معالجات ناجعة للقضايا الضرورية والملحّة، التي لم تعد تحتمل مزيداً من التأجيل.
ويضاف إلى هذه التعقيدات أنّ تطورات المنطقة تفرض على دولها، ومن ضمنها لبنان، متابعة دقيقة لمسارات التصعيد والتهدئة، وترقّب ما ستؤول إليه التحركات السياسية والميدانية المتسارعة. وبين انتظار نتائج المفاوضات ومراقبة المشهد الإقليمي، تبقى معالجة الاستحقاقات الداخلية حاجة قائمة، تستدعي جهداً حكومياً وتعاوناً سياسياً يتيحان تحقيق تقدّم في الملفات التي تمسّ حياة اللبنانيين مباشرة.
عون: البعض يغذّي النعرات
على أنّ فترة رصد وترقّب مآل تطوُّرات المنطقة، ليست محكومة بسقف زمني، أكان قصيراً أو طويلاً، وهو الأمر الذي أبرز أولوية التحصين الداخلي، التي التقى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري على ضرورتها في هذه المرحلة.
الرئيس عون أوضح خلال استقباله في قصر بعبدا، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للرّوم الأرثوذكس يوحنا العاشر يازجي، على رأس وفد من آباء سينودوس كنيسة الرّوم الأرثوذكس: «إنّ القوّة والشجاعة والحكمة لا تكمن في القدرة على شنّ الحروب فحسب، بل في إنهائها عبر اختيار الديبلوماسية»، مشيراً إلى أنّ «مسار الحروب دائماً يختلف عمّا يتوقّعه جانباها، وهي لا يمكن أن تنتهي إلّا عبر التفاوض والحوار، في حين أنّ استمرارها يؤدّي إلى مزيد من الدمار والضحايا والدم».
وأكّد «أنّ الهدف الأساسي من التفاوض هو تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، وعودة النازحين، وإعادة الإعمار، وانتشار الجيش على كامل الأراضي اللبنانية».
وشدّد عون على أنّه «لا يوجد اختلاف في لبنان حول هذه الأهداف، إنما الاختلاف يتمثل في أسلوب وطريقة تحقيقها. فهناك فئة متمسكة بالحرب، وقد رأينا ما أوصلتنا إليه وما حققته للبنان، وهناك فئة أخرى اختارت التفاوض والحوار للوصول إلى هذه الأهداف المنشودة».
وجدّد التأكيد على أنّ «ابن الجنوب ومنذ عام 1969، يدفع ثمن حروب الآخرين على أرضه، وقد يئس وتعِب، ويحق له أن يعيش بأمان وكرامة بعيداً من الحروب والدمار. عندما يكون الجنوب مجروحاً، فإنّ الجرح يطال كل لبنان، والدولة هي المسؤولة عن مواطنيها، إلّا أنّ الحروب التي فُرضت علينا انعكست سلباً على مسار عودة مؤسساتها إلى الجنوب، وعلى تحقيق العديد من الإنجازات، علماً أنه سُجِّلت نقلة نوعية في الكثير من المجالات؛ لا سيما في ما خصّ الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية كما القضائية».
ولفت إلى «صعوبة تحقيق إصلاحات كبيرة وجبارة خلال فترة قصيرة»، إلّا أنّه شدّد على «وجود إرادة وتصميم لذلك، وعلى أنّ الهدف الأساسي هو إعادة بناء الثقة بين الشعب والدولة وبين لبنان المقيم والمغترب». واعتبر أنّ «وحدتنا هي الأساس، فلدينا وطن واحد وعَلم واحد وهوية واحدة، ولبنان كما قال البابا الراحل يوحنا بولس الثاني رسالة، وهو غني بتنوّعه وتعدّديته، وعلينا الاستفادة من هذه الميزة».
وعبَّر عون عن أسفه لـ»فقدان البعض في لبنان حسّهم الوطني، ولتغذيتهم النعرات الطائفية والمذهبية لمصالح شخصية على حساب مصلحة وطنهم»، مبيّناً أنّ «هناك مَن يتعاوَن مع الخارج ضدّ أخيه اللبناني في الداخل، وهذه مشكلتنا في لبنان، في حين أنّ علينا الاستقواء ببعضنا البعض في الداخل ضدّ الآخر في الخارج».
وأكّد أنّ «من واجباته كرئيس للجمهورية تحقيق مصلحة جميع الأطياف اللبنانية من دون استثناء. أنا رئيس جمهورية لبنان ولست رئيس جمهورية للموارنة أو للمسلمين أو لأي مذهب أو طائفة، فالمسيح قال «أتيتُ لكي أخدُم، وليس لكي أُخدَم»، وجميعنا هنا لخدمة شعبنا ورعايانا، ودوركم كمطارنة مهمّ جداً في تنمية الروح الوطنية في لبنان والخارج وعلى الأصعدة كافة». وفي كلمة له في ذكرى اغتيال داني شمعون، أكّد الرئيس عون: «سنوات الحرب علّمتنا أنّ لبنان لا يمكن أن يكون ساحة لحروب الآخرين أو صندوق بريد لصراعاتهم، وأنّ اللبنانيّين هم الذين يدفعون الثمن من أرواحهم وأمنهم واستقرار وطنهم، فيما لا تحصد البلاد سوى الانقسام والدمار. وأنّ العِبَر التي استخلصناها من تلك التجارب المريرة تفرض علينا التمسّك بوحدتنا الوطنية، وصَون سيادة لبنان واستقلال قراره، وحصر قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الشرعية، بما يحمي اللبنانيّين جميعاً ويصون مستقبل الأجيال المقبلة».
بري: سلاحنا الوحدة
وأكّد الرئيس بري على دقة المرحلة، بقوله لـ«الجمهورية»: «لبنان في هذه المرحلة، في أمسّ الحاجة إلى ما من شأنه أن يجمع بين اللبنانيّين. الوحدة بين اللبنانيّين هي خشبة الخلاص لهذا البلد خصوصاً في هذه الظروف»، مشدّداً على أنّ مصلحة لبنان تكمن في تعزيز لغة التفاهم والحوار وكل ما يقرّب بين اللبنانيّين، وتجنّب الخطاب التحريضي أو الغرائزي والطائفي، وسجالات تعمّق التشنجات وتهدّد السلم الاهلي في البلد». متسائلاً: «أي مصلحة في إثارة التوترات والتشنجات الطائفية؟»، ومستنكراً بعض الحالات التي دأبت بعض الجهات والقنوات على إبرازها في الآونة الأخيرة، والتعامل مع فئة من اللبنانيّين وكأنّها غريبة عن لبنان، ومنها على سبيل المثال «أن يصل الأمر إلى حدّ منع مواطن لبناني من شراء عقار في منطقة لبنانية معيّنة بسبب انتمائه المذهبي أو الطائفي».
وعلمت «الجمهورية» أنّ الرئيس بري نصح الرئيس سلام بعدم إحالة مسألة المتفجرات المصادرة على المجلس العدلي.
وإذ أكّد بري على «اتفاق الطائف»، قال: «الوحدة الداخلية هي السلاح الوحيد في أيدينا لحماية بلدنا، وربطاً بذلك، فإنّ لبنان لا يحتمل الآن إثارة أي موضوع أو ملف مهما كان نوعه، من شأنه أن يثير الالتباسات ويعكّر الداخل بتشنّجات، فوضع البلد دقيق، يستوجب قدراً كبيراً من الوعي والدراية، والشراكة الأكيدة بين كل المكوّنات الداخلية في الاتجاه الذي يحفظ البلد، ويرسخ الحدّ الأعلى من الأمن والاستقرار والهدوء».
وأعرب بري عن ارتياحه «البالغ لنتائج زيارة الوفد القطري إلى بيروت، التي عكست جهداً صادقاً لوضع أزمة الكهرباء المزمنة في لبنان على سكة العلاج الحاسم»، وكذلك لأجواء اللقاء الذي جمعه بداية الأسبوع مع الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، وما عبَّر عنه من «آراء وأفكار تنِمّ عن حرص على لبنان، ودراية مفصّلة بالواقع اللبناني من كافة جوانبه».
ورداً على سؤال آخر، عبّر بري عن اعتراض شديد على أي مشروع أو اقتراح يرمي إلى تعديل أو إلغاء مفاعيل قانون مقاطعة إسرائيل، وذلك في إشارة مباشرة وصريحة، تقطع الطريق مسبقاً على أيّ مبادرة لطرحه على المجلس النيابي، أكان لتعديله أو إلغائه، وتواجه في الوقت نفسه الأصوات التي ترتفع من قِبل بعض الجهات السياسية وغير السياسية في الداخل، لوقف العمل بهذا القانون.
وحول الانتخابات النيابية الفرعية في البقاع الغربي لملء المقعد الذي شغر بوفاة النائب غسان سكاف، أوضح: «المفروض أن تجري هذه الانتخابات، ولا أعرف لماذا لم تُجرَ حتى الآن».
وحول «اليونيفيل» أكّد بري: «الموقف اللبناني موحّد حول ضرورة التمسّك بالقرار 1701، وببقاء قوات «اليونيفيل» في الجنوب وإبقاء المنطقة الجنوبية تحت مظلة الأمم المتحدة»، مضيفاً: «الفرنسيون يقفون مع لبنان، وصادقون في دعمهم وفي المبادرات التي يطرحونها، إلّا أنّ الأجواء الدولية مع الأسف تعاكسهم».
ما بعد الانتخابات
من جهة ثانية، أكّد مرجع سياسي لـ«الجمهورية»، أنّ الأخبار المرتبطة بملف «اليونيفيل»، لا تدعو إلى التفاؤل، وإمكانية بلوغ صيغة أو إطار معيَّن يكفل بقاء هذه القوات أو انتداب قوات بديلة تحت علم الأمم المتحدة، تصطدم بالفيتو الأميركي المسبق، والرفض القاطع لاستمرار عمل هذه القوات في جنوب لبنان.
ولفت المرجع عينه، إلى أنّ واشنطن تماشي بالكامل رفض إسرائيل لبقاء «اليونيفيل»، واتهامها بالفشل في القيام بمهماتها، مشيراً إلى «أنّ التقارير الواردة من الأمم المتحدة، تؤكّد أنّ الاتصالات التي شهدتها أروقة الأمم المتحدة، سواء على مستوى الأمين العام للأمم المتحدة، أو على مستوى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، أو الدول المشاركة في عداد «اليونيفيل»، قوبلت بتشدُّد المندوب الأميركي، الذي عكس بكل صراحة ووضوح رفض الولايات المتحدة القبول بمثل هذه القوات، التي لم تُجدِ نفعاً للبنان وجيرانه، وتشكّل في الوقت نفسه عبئاً مالياً بلا أي طائل، لا تستطيع الولايات المتحدة الشراكة في تحمُّله».
ويكشف المرجع عينه، أنّ «الأميركيّين يرسلون إشارات واضحة، بأنّهم بوجود صيغة الإطار المعقودة بين لبنان وإسرائيل، لا يتهيَّبون حصول فراغ أمني في منطقة جنوب الليطاني». ورداً على سؤال عمّا يتردّد عن توترات محتملة، أوضح: «التقدير الموضوعي يفترض أنّ الصورة ستتوضّح أكثر بعد الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة، أكان على جبهة لبنان أو جبهة إيران».
ولفت في هذا السياق، إلى أنّ الانتخابات الحاسمة ليست الانتخابات الإسرائيلية، التي إن شهدت تغييراً، فسيكون محصوراً بالوجوه والأسماء فقط، وأمّا السياسة العدوانية فهي واحدة، بل إنّ الانتخابات الحاسمة هي الولايات المتحدة، التي على نتائجها سيتحدّد مسار المنطقة، أكان لاستكمال الحرب على إيران وما يتفرّع منها من جبهات مفتوحة، أو لانتهاج مسار آخر نحو التسويات على كل الجبهات.
وعندما سُئل عمّا إذا كانت إسرائيل ستقبل بهذه التسويات، أوضح: «إن غلبت النتائج الأميركية منطفق استكمال الحرب، فما أخشى منه أنّ يد إسرائيل ستكون مطلقة أكثر ممّا كانت عليه قبل الانتخابات، وأمّا إذا ما فرضت هذه الانتخابات مسار التسويات، فواشنطن هي صاحبة القرار. وتبعاً لذلك، لا أحد يملك قدرة الإعتراض على ما تقرّره وتجده ملبِّياً لمصلتها، سواء أكانت إسرائيل أو غيرها، وبالتالي ستقبل بالأمر الواقع طوعاً أو على مضَض مهما كان طعمه. وثمة مثال على ذلك، عندما وُقِّعت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران في حزيران الفائت، التي اعترضت عليها إسرائيل، إلّا أنّها تحت الضغط الأميركي سلّمت بالأمر الواقع».