كان من المناسب أن تُختزَل أمسية باريس سان جيرمان الأوروبية هذا الأسبوع، بعد سهرة كروية اتسمت بخفّة استثنائية، في صيغة مستوحاة من مقولة غروتشو ماركس القديمة: «هذه هي انتصاراتي بـ4 أهداف مقابل هدفَين. إذا لم تعجبكم... حسناً، فلديّ انتصارات أخرى». فبعد 6 ليالٍ من مباراة مسلية، عديمة الأهمية، أمام مانشستر سيتي، انقسمت إلى شوطَين مختلفين، استعان باريس ببرشلونة لخوض مباراة مسلية أخرى، عديمة الأهمية، تألّفت من نحو 73 مقطعاً متقطّعاً ومضطرباً؛ مباراة مثيرة بلغت ذروتها في مراحلها الأخيرة، وصُنعت من شريط لاصق وفوضى.
النتيجة واحدة في المباراتَين، لكنّهما لم تكادا تتشابهان في أي شيء. في ملعب «الاتحاد»، بدا باريس، لفترة وجيزة، مهيباً ومسيطراً، إذ أخذ يثبت جدارته فوق أنقاض صرح سيتي المتداعي، قبل أن يوقف جهوده تماماً. كان الشوط الأول مخططاً واضحاً لاستعادة المستوى، فيما جاء الثاني تذكيراً بألّا نبالغ في أهمية مرحلة الدوري من هذه المسابقة، وألّا نلتهم بشراهة سعراتها الحرارية الفارغة. وباريس، الذي يتقن بلوغ أعلى درجات مستواه مع حلول الربيع، يدرك هذه الحقيقة أكثر من أي فريق آخر.
فوضى يصعب إخضاعها
كانت المباراة وحشاً من نوع آخر. فعلى الرغم من أنّها تحوَّلت عملياً إلى مؤتمر للاعبي خط الوسط، افتقرت إلى الانسيابية. فاز باريس باستحقاق، لكنّ المباراة أفلتت من قبضته في بعض الفترات. وأصبحت أشبه بكائن متوحّش يتعيَّن ترويضه.
كانت المراسم الاستعراضية التي سبقت المباراة توحي بمجزرة كروية، لكن ما جرى لم يكن كذلك. بل كانت معركة نجاة انتهت 4-2، واختباراً قاسياً للأعصاب بالنتيجة نفسها.
رُوِّج للمباراة باعتبارها كلاسيكية حتى قبل أن تبدأ. وصفت «ليكيب» وصول برشلونة بأنّه «زيارة ملكية»، وأبدت إعجابها الشديد بالجودة الهجومية للفريقَين. فيما رأى لاعب وسط سان جيرمان، فيتينيا، أنّ «كل المقوّمات متوافرة لتكون واحدة من أعظم المباريات». لكنها، على مدى 70 دقيقة، لم تكن أكثر من مباراة جيدة. في البداية ضغط باريس بكثافة تكاد تبلغ حدّ الهوس، وخلق فرصاً نصف مكتملة لكل من خفيتشا كفاراتسخيليا وديزيريه دويه. وقدّم الحارس خوان غارسيا تصدّيات جيدة، إحداها بوجهه. وغادر عثمان ديمبيلي وداني أولمو الملعب وهما يعرجان. أمّا ويليان باتشو، فمنع فيرمين لوبيز من التسجيل، لكنّه دفع ثمن ذلك بتلقّي ركلة على وجهه من مسامير حذاء أحد اللاعبين.
افتتاح التسجيل... والعودة
سجّل دويه هدفاً راقياً قبل نهاية الشوط الأول. وردّ تشافي إسبارت بعد 10 دقائق من انطلاق الشوط الثاني، إثر انطلاقة جريئة على الجهة اليمنى اختتمها بتسديدة صاروخية إلى القائم القريب، في إنهاء مثالي للهجمة.
لكنّ المباراة تاهت بين الهدفَين. خرج كفاراتسخيليا وماركينيوس بسبب الإصابة، فيما قرَّر المدرب هانسي فليك إخراج رافينيا وبيدري. وبدأت فكرة أن تكون لهذه المباراة أي أهمية حقيقية في المسار العام للموسم، تبدو سخيفة بعض الشيء. ثم وقع أمر طريف. دفعت فترات التوقف واستئناف اللعب المباراة إلى تشكيلات جديدة ومثيرة للاهتمام. وكانت المرحلة الأولى فترة فرضَ فيها برشلونة سيطرته؛ إذ دخل رودري إلى الملعب، وأدّى دوره المعتاد بنضج وعقلانية ضبط إيقاع الأمور، فرفع فوراً مستوى كل ما يدور حوله. وتراجع دفاع باريس بقيادة إيليا زابارني، الذي قد يصبح مستقبلاً جواباً عن سؤال في مسابقة معلومات عامة. وكان في وسع غافي أن يكون أفضل، حين انطلق بسرعة متوغلاً في منطقة ماتفي سافونوف.
4 دقائق؟ لا، 14 من الجنون!
وماذا حدث بعد ذلك؟ فوضى عارمة. تمزّقت المباراة من داخلها، وكأنّها تحاول أن تتحوَّل أخيراً إلى المواجهة التي أرادها الجميع منذ البداية. سجّل لوكاس هرنانديز هدفاً من ركنية، ثم غادر الملعب ليشاهد وارن زائير إيمري يُهدر ثمرة 78 دقيقة من العمل الجيد في مراقبة لامين يمال.
ليس من الظلم القول إنّ يمال عاش أمسية كارثية في بعض جوانبها؛ فقد مرّر الكرة إلى الباريسيِّين أكثر ممّا فعل بعضهم لزملائهم، وقضى قسماً كبيراً من المباراة يُتمتِم متذمّراً مع نفسه. لكنّه سجّل أجمل أهداف المباراة: استغلّ رأسية زائير إيمري الضعيفة، فانتزع الكرة، ثم انساب متجاوزاً إياه قبل أن يوجّه بسنّ قدمه تسديدة استثنائية تجاوزت سافونوف.
لم يستمر التعادل سوى دقيقتَين تقريباً. استلم فيتينيا، الذي يمكن وصف مركزه الدقيق في هذه المباراة بأنّه «أي مكان يريده»، كرة سائبة عند حافة منطقة الجزاء، وأطلق تسديدة طائرة دقيقة تجاوزت غارسيا واستقرّت في الشباك. واحتفل بتدوير عصابة رأسه حول إصبعه، في حركة بدت كأنّها نسخة مصغّرة من رقصة «الهولا هوب».
شمّ باريس رائحة الدم في الماء، فسجّل مجدداً؛ إذ تابع فابيان رويز الكرة إلى الشباك عند القائم البعيد، بعد مراقبة متساهلة إلى حدّ لا يُصدَّق من جواو كانسيلو.
فهل كانت مباراة كلاسيكية في نهاية المطاف؟ ليس تماماً. كانت مربكة إلى حدّ كبير، إيقاعاتها ودلالاتها شديدة الالتباس. ولم يقدّم عدد كبير من المهاجمين مستويات جيدة، بل إنّ بعضهم كان أداؤه متوسطاً أو دون ذلك. كما أنّ الرهانات لم تكن مرتفعة بما يكفي.